بين القوميين والإسلاميين.. نزغ الشيطان وملازمة الخذلان!! / محفوظ الحنفي

يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "عن العروبة والإسلام"؛ إن:
"في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا. طائفة تناهض الإسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالإسلام. فهما مختلفتان. وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام كليهما فهما متفقتان. وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم. وإنهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته.
هذا حديث إلى الشعب العربي عن الطائفتين تباعاً. سيقول نفر ممن يقرءونه: ما بال هذا الرجل يتلو آيات الكتاب لا يلتمس فيها عوناً من رجال الدين، فنقول لأننا مسلمون، ولا كهانة في الإسلام. وسيقول نفر: ما باله يتحدث عن الأمة العربية لا يلتمس عوناً من مفكريها؟ فنقول لهم: هذا مذهبنا. مذهبنا الإسلامي في القومية ومذهبنا القومي في الإسلام ، فلينظروا ماذا هم فاعلون. أما الطائفتان فسينظرهم الشعب العربي إلى حين..

(إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة) {يونس: 49} صدق الله العظيم.
د. عصمت سيف الدولة - القاهرة: أيلول/ سبتمبر 1985"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد مضى الآن أكثر من 33 سنة على نشر ذلكم الكتاب الذي كان بمثابة الفتح المبين، والنبراس الوضاء المنبعث من وسط غبار المعارك النكراء والصراع السفسطائي الأبله بين قوتين فاعلتين ومؤثرتين في مختلف مراحل النضال العربي الحديث والمعاصر، هما التياران الإسلامي والقومي..

ورغم ما كشفه ذلكم الكتاب من عبثية ذلك الصراع وافتقاره للمصداقية في أكثر جوانبه ومظاهره ومبرراته، ورغم ما أبان عنه من أسباب الالتقاء ومقتضيات التعاون؛ بل والتحالف حتى؛ بين تينك الجماعتين، وما أبرزه من مخاطر وآثار مدمرة على الأمة وشعوبها ودولها ومستقبل أجيالها؛ ترتبت فعلا على هذا الصراع ومازالت تداعياتها ونتائجها الكئيبة في تعقد وتزايد مستمر..

رغم كل ذلك؛ أو بالرغم منه؛ مازال قادة التيارين العريضين يصمان الآذان عن كل دعوة للتلاقي أو مبادرة للحوار والمراجعة الفكرية والسياسية الجادة؛ تقييما لمسار لم ينتج غير مزيد الفرقة والتخبط والهوان والارتهان للآخر الاستعماري، والآخر الأجنبي الطامح دائما لإبقاء هذه الأمة أبدا حبيسة نفوذه وهيمنته وتحكمه وسطوته، وحتى ألاعيبه!!!

المفارقة المحزنة، والمضحكة أيضا، هي أن كل أسباب الخلاف بين الجماعتين تعود لحالات وأحداث ظرفية مرتبطة بوقائع عابرة، أو بأشخاص معينين، أو بظروف سياسية وتاريخية منقضية... في حين يتفق الطرفان (حسب ما يعلنان على الأقل) على كل القضايا الكبرى والمسائل الجوهرية التي تشكل محور اهتماماتهما المشتركة والدائمة!!!!

ثم لا يكادان يختلفان في شيء من ذلك؛ إلا على مستوى التفاصيل، أو ترتيب الأولويات، أو الاختلاف في تفسير بعض المفاهيم والمصطلحات، ودلالات بعض المقولات والشعارات...

- لو سألت الإسلاميين عن موقفهم من "الوحدة العربية"؛ لوجدتهم لا يعارضونها؛ لكنهم يعتقدون أن الدعوة للوحدة الإسلامية أولى وأفضل..

- ولو سألت القوميين عن موقفهم من "الوحدة الإسلامية"؛ لوجدتهم لا يعارضونها؛ لكنهم ليسوا على يقين بإمكانية تحققها موضوعيا؛ في حين أن يقينهم أكبر بإمكانية قيام "الدولة العربية الواحدة"؛ والتي لن تكون في نظرهم إلا إنجازا مساعدا على تحقيق ما هو متاح وممكن من أشكال "الوحدة الإسلامية".

- لو سألت الإسلاميين عن أي دستور يريدونه لدولة وحدتهم؛ لما ترددوا في الجزم بأنه "القرآن والشريعة الإسلامية"؛ لكنهم حين يحكمون ويواجهون تحديات الحكم وتعقيداته؛ فإنهم لن يجدوا غضاضة في اتباع اجتهادات وتأويلات ربما عصفت بكل الحدود الفاصلة بينهم وبين أكثر "منافقي العلمانية" تعصبا ضد الإسلام.. كما رأينا في تونس، وفي السودان، وفي مصر على عهد الرئيس مرسي فك الله أسره.

- وحين تسأل القوميين عن دستور دولة حلمهم القومي؛ فإنهم لا يترددون في القول إن أغلبية الشعب العربي هي أغلبية مسلمة؛ والإسلام شريعة ومنهج حياة؛ فلا يجوز منع هذه الأغلبية من الخضوع للدين الذي إليه ينتسبون وتحكيم شرعته ومنهاجه؛ لكنهم يشددون على أنه ليس كل العرب مسلمين؛ وبالتالي فلا مهادنة ولا مجاملة عندهم في ضرورة حفظ حقوق الأقليات العربية غير المسلمة؛ ورفض إخضاعها لأحكام دين غير دينها؛ إذ "لا إكراه في الدين"...

- أما حين تسأل الجماعتين عن أخطر عدو تواجهه الأمة؛ فإن الجواب يأتيك واحدا وموحدا، حاسما وجازما: إنه الولايات المتحدة الأمريكية، والصهيونية العالمية، والأنظمة العربية العميلة لتينك القوتين الإجراميتين..

فهل وجد القوميون والإسلاميون في كل هذا سببا واحدا للحوار والتنسيق، ولتوحيد الجهود من أجل تحرير الأمة وتوحيدها وبناء مستقبلها؟؟

لا؛ للأسف.. وليتهم فقط عجزوا عن الحوار والتنسيق والتلاقي..

كلا.. فالمسألة أكبر من ذلك بكثير..

إنهم لم يضيعوا فرصة للصدام إلا تصادموا... بل تناحروا؛ حتى أن أيا منهم لم يتردد في خوض معارك ألد أعدائه وخصومه؛ دون أن يكون له سبب في ذلك سوى أنه وجد حربا تستهدف من يعتبره "منافسه الأول وخصمه الأبدي"!! حتى وجدنا بعض الإسلاميين يحملون السلاح ويصدرون الفتاوى انتصارا لحلف "الناتو" وقوى الرجعية والعمالة العربية؛ دون أن يهمهم أن المستهدف من تلك الحرب وضحيتها الثابت الدائم هو بلدان وشعوب ودول واقتصادات عربية بأسرها؛ مادامت هذه الحرب تضمن المساس بنظام قومي هم يكرهونه..

وها نحن الآن نجد بعض القوميين لا يترددون في التحالف مع من ظلوا يصفونها ب"الأنظمة الرجعية" وصنيعة الإمبريالية الأمريكية؛ ويجيشون جيوشا من ورق في حرب مفضوحة لا مبرر لدخولهم فيها سوى أنها تستهدف من يعتبرونه منافسهم الأول وخصمهم الأبدي!! حتى ولو كان هذا "الخصم" هو قوى سياسية وطنية سلمية ومسالمة ذنبها الوحيد أنها حققت نجاحا سياسيا محدودا عجز عن تحقيقه أمثالها في بيئة سياسية غاية في الفحش، وبيئة اجتماعية غاية في التخلف والتعقيد (حزب تواصل الإسلامي)، أو كان هذا "الخصم"؛ مجرد مواطن عربي تجرأ على البوح بالنصيحة لولي أمره الذي لم ير يوما في مواطنيه غير رؤوس أنعام تؤمر فتأتمر، وتنهى فتنتهي... إنه الصحفي والمفكر جمال خاشقجي الذي اهتز الكون لجريمة مقتله؛ إلا بعض القوميين المصرين على أن يكيلوا الصاع صاعين لمن قاتلوا يوما تحت مظلة الحلف الأطلسي والمخابرات الأمريكية والصهيونية في سوريا وليبيا...

فمن الرابح من كل هذا الهوس بصراع عقيم بين قوتين تزعم كل واحدة منها أنها تحمل مشروع بناء أمة؟؟

وأي أمة سيبني مستقبلها من هو عاجز عن تحمل رفيق غير نفسه، والقبول بغير رأيه، والرؤية بسوى عينه؛ حتى لو أصبحت عينا عوراء أو مفقوءة؟؟

أكثر عناصر الجماعتين انفتحا وموضوعية هو من يتقبل منك مثل هذا النقد؛ ثم يسارع لاتخاذه ذريعة لكيل التهم لخصمه وتعداد أخطائه وسلبياته؛ متوهما أن ذلك وحده يكفي للتغطية على أخطائه هو، وسلبياته هو، وإخفاقاته هو...

وتلك والله مصيبة عظيمة لو تعلمون...

رحم الله هذه الأمة، وهداها سبيل رشد يخرجها من كبوة طالت؛ فطال ضياعها...