معالي الشيخ محمد الحافظ النحوي رئيس التجمع الثقافي الاسلامي رئيس منتدى علماء إفريقيا في مؤتمر بناء الجسور بين المذاهب الاسلامية

الحمد لله القائل في محكم التنزيل " واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون"

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد القائل في الحديث الشريف الذى رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – قال : خَطَبَنَا عمر بـ«الجابية» فقال : يا أيها الناس ! إنيّ قمتُ فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا ، فقال : «…عليكم بالجماعة ، وإيّاكم والفرقةَ؛ فإن الشيطانَ مع الواحد ، وهو مع الاثنين أَبْعَدَ . من أراد بحبوحةَ الجنة فليلزم الجماعةَ» (الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، ج4/ص465 – 466) .
وفي حديث مرسل عن سعيد بن المسيب عن رسول الله ﷺ ، قال : «الشيطانُ يَهُمُّ بالواحد والاِثنين . وإذا كانوا ثلاثة لم يهمّ بهم» (الموطأ، كتاب الجامع، باب ماجاء في الوحدة في السفر، رقم الحديث:789
) وعن ابن عبّاس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يد الله على الجماعة» (مسند الشهاب، ج1، ص168 .
( وعن النعمان بن بشير عنه ﷺ قال وهو قائم على المنبر: «الجماعةُ رحمةٌ والفرقةُ عذابٌ» (مسند أحمد،ج4،
وبعد
معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي رئيس هيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسي
السادة المشايخ والعلماء أيها الجمع الكريم
لقد قدمت إليكم من موريتانيا بلاد شنقيط أرض المنارة والرباط والتي تجمعها علاقات تاريخية مميزة مع المملكة العربية قيادة وشعبا , ولا أدل على ذلك من العلاقات المميزة بين قائدي البلدين فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ العزواني وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان
حضورنا الكريم
إننا نجتمع الليلة في هذا الزمان المبارك غرة رمضان ١٤٤٥ ه وفي هذا المكان المبارك جوار بيت الله الحرام , لنتدارس كيفية بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية هذا المؤتمر الجامع الذى ينعقد تحت رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله وقد جمع المؤتمر أبرز علماء الأمة الإسلامية من شتى المذاهب والمدارس الإسلامية .وهي خطوة ميمونة تعكس اهتمام قيادة المملكة بشؤون المسلمين وسعيها الدؤوب لتقريب بين المذاهب وتوحيد صفها ولم شتاتها في ظرف إسلامي حساس .
كما أهنئ صاحب المعالي الشيخ الدكتور محمد العيسى الأمين العام لرابطة على جميع مبادراته الناجحة وعلى سعيه الدائم لنشر قيم الاعتدال والوسطية ولنجاحه في أن يجمع علماء الأمة تحت مظلة جامعة هي مظلة رابطة العالم الإسلامي .
وللحديث عن وثيقة مكة المكرمة الخالدة فالزمان والمكان أعظم تعبير , العشر الأواخر من رمضان المبارك والمكان جوار بيت الله الحرام القائم منذ أراد الله نشأة الكون والذى قال الحق فيه " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ,ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم "
والأرقام شاهدة قاطعة ١٣٩ دولة عبر المعمورة ١٢٠٠ عالم ٢٧ مكون إسلامي مبادرة غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي المعاصر وفق الله لها رابطة العالم الإسلامي بقيادة حكيمة ومستنيرة وفكر عميق وحب صادق من شخصية عالمية فذة جمعت البصيرة وسمو الأخلاق واستشراف مستقبل الأمة ألا وهو الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى حفظه الله القائل " وجاءت رابطة العالم الإسلامي في مقرها الرئيس من مكة المكرمة لتواصل المظلة الإسلامية الأولى وفق هيكلة عصرية منذ أكثر من ٦٠ عاما بينما تاريخ الرابطة الفعلي يبدأ منذ انطلاقة الإسلام فالاسلام منذ أشرق نوره وهو يكون رابطة إسلامية واحدة حصنت الجميع وهو ما تسير علي منهجه رابطة العالم الإسلامي بهيكلته العصرية لتحصل على شرف مواصلة هذه المسيرة الإسلامية المباركة من أقدس بقاع الأرض والله ولي التوفيق "
أيها الحضور الكريم
لقد شكلت وثيقة مكة المكرمة التي انعقد مؤتمر ها المبارك في شهر رمضان ١٤٤٠ في مكة المكرمة أبرز وثيقة إسلامية معاصرة حيث أن الوثيقة تستمد مرجعيتها من كونها امتداد لصحيفة المدينة المنورة التي تعتبر أول دستور إنساني للتعايش حيث صادق عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة ورغم الفارق الزمني الكبير فقد شكلت وثيقة مكة المكرمة امتدادا لوثيقة المدينة الخالدة وذلك ما منحها قبولا وانتشارا واسعا .
لقد دعت وثيقة مكة المكرمة إلى وحدة الصف ونبذ التفرقة وضرورة الوحدة والاجماع خصوصا في القضايا الكبرى مع احترام خصوصيات المذاهب الفقهية واعتبار الاختلاف سنة كونية من سنن الله في عباده وضرورة تقبله خصوصا بين المذاهب الإسلامية .
حيث نصت الوثيقة " أن التنوع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يُبرر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكة حضارية إيجابية ، وتواصلاً فاعلاً يجعل من التنوع جسراً للحوار، والتفاهم، والتعاون لمصلحة الجميع، ويحفز على التنافس في خدمة الإنسان وإسعاده، والبحث عن المشتركات الجامعة، واستثمارها في بناء دولة المواطنة الشاملة، المبنية على القيم والعدل والحريات المشروعة، وتبادل الاحترام، ومحبة الخير للجميع، مع احترام تعدد الشرائع والمناهج، ورفض الربط بين الدين والممارسات السياسية الخاطئة لأي من المنتسبين إليه "
أما الهدف الجامع لوثيقة مكة فهو التأكيد على أن المسلمين الذين يشكلون تقريبا ثلث سكان العالم جزأ من هذا العالم بتفاعله الحضاري ويسعون للتواصل مع مكوناته جميعها لتحقيق صالح البشرية وأن الاختلاف في المذاهب والملل سنة كونية والإقرار على أن بني آدم متساوون في إنسانيتهم وينتمون إلى أصل واحد ومن هنا جمعت وثيقة مكة المكرمة بين مدولولات الآية الكريمة " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر " وقوله سبحانه وتعالى " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا "
وبهذه تكون الغايات القصوي لوثيقة مكة المكرمة مطابقة لقوله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وذلك لإبراز شمولية الرحمة في رسالة الإسلام من أجل نشر قيم السلام والتصدي لممارسات الظلم والعدوانية والصدام الحضاري و الكراهية ومكافحة الإرهاب والظلم والقهر والتنديد بدعاوي البغضاء والشعارات العنصرية ودعم قيم التنوع الديني والثقافي والتعايش السلمي .
لقد تمت صياغة هذه الوثيقة في ظرف دولي حساس وفي ظرف إسلامي يستدعي من علماء الامة ومفكريها التوحد ونبذ الخلاف ولقد كان للوثيقة دور كبير في رسم معالم خريطة طريق للوئام الإسلامي وللحوار مع الآخر دون تنازل أو تفريط في الثوابت الكبرى للأمة .
حيث تم اعتماد الوثيقة من قبل عديد المنظمات الدولية من أبرزها منظمة التعاون الإسلامي ومنظمات دولية أخرى ونسعد في التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا بتبنينا لهذه الوثيقة وتعميمنا لمضامينها في مختلف مؤتمراتنا التي نعقدها في موريتانيا خاصة وفي غرب إفريقيا بشكل عام .
إن الحاجة الماسة لتعميم هذه الوثيقة لازالت قائمة خصوصا فيما يتعلق بالدعوة لبناء الجسور بين المذاهب الإسلامية المختلفة وهو موضوع مؤتمرنا هذا ولا شك أن الوثيقة التي ستنبثق عنه ستعتمد وثيقة مكة المكرمة ضمن مرجعياتها فقد وفقت رابطة العالم الإسلامي بقيادة معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى أن تجمع علماء الامة من مختلف للمذاهب للمصادقة على وثيقة إنسانية خالدة هي وثيقة مكة المكرمة التي تعتبر خريطة للتعامل بين المسلم والمسلم وكذلك بين المسلم وغير المسلم من من تجمعه معه مشتركات إنسانية جامعة , وهاهي اليوم الرابطة تجمع جمعا كبيرا من علماء ومفكري الأمة لصياغة وثيقة أخرى لها دلالتها العظيمة في هذا الظرف العصيب الذى تعيشه الأمة ولا دواء لأمراض أمتنا إلا بالوحدة والاتفاق ونبذ خطابات التكفبر والتفسيق .
أيها الجمع الكريم
شكلت وثيقة مكة المكرمة وثيقة تاريخية تفخر بها الأمة الإسلامية وهي حرية أن تعتمد كوثيقة دستورية لكل دول العالم الإسلامي لما تحتويه من بنود عظيمة تجمع ولا تفرق وتصلح ولا تفسد وتمثل منهاجا للتعايش والحوار الحضاري الذى يستمد شرعيته من سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ونهجه القويم ومن استنباطات علماء الأمة ومفكريها .
ختاما أتقدم بالشكر الجزيل مشفوعا بالدعاء الخالص لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد ه الأمين صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان على اهتمامهم بشؤون المسلمين ووقوفهم الدائم مع القضايا الكبرى للأمة فالسعودية هي قلب العالم الإسلامي النابض وهي رائدة العمل الإسلامي المشترك وهذا ما تجسد في مؤتمرنا هذا وقبله في مؤتمر وثيقة مكة المكرمة .
كما أتقدم بالشكر لمعالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي رئيس هيئة علماء المسلمين على حسن الاستقبال وكرم الضيافة .
نسأل الله النصر والفرج لأخوتنا في فلسطين ونشكر للمملكة العربية السعودية قيادة وشعبا وللرابطة ولأمينها العام مواقفهم المشهودة في الوقوف مع الأشقاء في فلسطين وندعو المجتمع الدولي لوقف حرب الإبادة في غزة ,
وفقنا الله لما يحب ويرضي والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .