جرس إنذار قبل فوات الأوان ، الحوار الوطني ، تحالف الماركسيين وأفلام، ومستقبل الدولة الموريتانية ؟؟؟

مقدمة :==
ليس كل خطر يهدد الدول يبدأ بانقلاب عسكري أو تمرد مسلح أو أزمة دستورية معلنة؛ فبعض المخاطر تتكون ببطء داخل البنية الثقافية والسياسية للمجتمع، وتتراكم مقدماتها حتى تبلغ لحظة يصبح فيها التحكم في مساراتها بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً.
ومن هذا المنظور، أتابع باهتمام بالغ التحالف السياسي الذي يجمع حزب الكادحين، بما يمثله من خلفية ماركسية، وحركة أفلام، في أفق الحوار الوطني المرتقب نهاية نوفمبر الجاري.
ولست بصدد الطعن في حق أي تنظيم في الوجود أو التحالف أو المشاركة السياسية، ولا إصدار أحكام قضائية على مواقف لم تُعرض على القضاء، وإنما أمارس حقي في قراءة الأدبيات الفكرية والسياسية، واستشراف ما يمكن أن يترتب عليها من تحولات في بلد تتطلب ظروفه السياسية والاجتماعية قدراً عالياً من اليقظة والمسؤولية الوطنية.
إن ما يدعوني إلى إطلاق هذا الإنذار ليس مجرد اختلاف أيديولوجي مع أطراف التحالف، وإنما طبيعة الأسئلة التي يثيرها اجتماع مرجعيات فكرية وسياسية تتباين مع الأساس الحضاري الذي قامت عليه الدولة الموريتانية.
أولاً: ،= حين يصبح الدليل الثقافي ضرورة سياسية
ثمة خلط متكرر بين الدليل القانوني والدليل الثقافي.
فالدليل القانوني هو الذي تتوقف عليه المسؤولية القضائية، ولا يجوز إدانة الأشخاص أو التنظيمات من دونه. أما الدليل الثقافي والفكري فيتعلق بقراءة المواقف المعلنة، وتحليل الأدبيات، واستنباط الاتجاهات المحتملة للمشاريع السياسية.
وليس من المعقول أن نطالب المجتمع بتعليق حقه في النقد والتحذير حتى تقع الأفعال التي يخشى نتائجها.
إن وظيفة الوعي السياسي ليست انتظار الكوارث لتوثيقها، وإنما قراءة مقدماتها، والتنبيه إلى مخاطرها، والبحث عن الوسائل السلمية والمؤسسية للحيلولة دون وقوعها.
ولو التزمنا الصمت إزاء أدبيات حركة أفلام ومواقف التيارات الماركسية من اللغة العربية والدين الإسلامي والهوية الوطنية، بحجة أننا لا نملك دليلاً قضائياً على نياتها المستقبلية، لكان ذلك تخلياً عن إحدى أهم وظائف النخب السياسية والثقافية.
فالنقد ليس اتهاماً، والتحذير ليس إدانة، واستشراف المخاطر ليس حكماً مسبقاً على المستقبل.
ثانياً: ء== اللغة العربية والدين الإسلامي ليسا تفصيلاً قابلاً للتفاوض
تقوم الشخصية الموريتانية على مرتكزات تاريخية وحضارية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خيارات ثقافية قابلة للاستبدال في كل مرحلة سياسية.
فاللغة العربية ليست مجرد لغة رسمية منصوص عليها في الدستور، وإنما هي وعاء تاريخي للثقافة الوطنية، ولغة الدين والتعليم والمحاظر والتراث العلمي والأدبي، وعنصر أساسي في تكوين الوجدان العربي الموريتاني.
والإسلام ليس مجرد مكون اجتماعي أو اختيار فردي بين اختيارات متعددة، وإنما هو دين الدولة والمجتمع، ومرجعية تاريخية وحضارية وتشريعية أساسية.
ومن هنا، فإن أي حوار وطني يتناول مستقبل الدولة ينبغي أن يضع هذه الحقائق في صميم اهتمامه، لا أن يتعامل معها باعتبارها قضايا مؤجلة أو موضوعات قابلة للمساومة تحت ضغط التحالفات السياسية.
ولا يعني ذلك الانتقاص من حقوق المواطنين الناطقين باللهجات الوطنية الأخرى، أو التشكيك في مواطنتهم، وإنما يعني أن المساواة في المواطنة لا تقتضي إلغاء الخصوصية التاريخية والحضارية للدولة.
كما أن الاختلاف في المرجعيات الفكرية حق مشروع، لكن من حق المجتمع أيضاً أن يسائل المشاريع السياسية عن مدى انسجامها مع الأسس التي تستند إليها دولته.
ثالثاً: == خطورة اجتماع المرجعيات المتباينة في تحالف تفاوضي
إن اجتماع خلفية ماركسية مادية مع خطاب حركة أفلام ذي أبعاد هوياتية وعرقية يطرح أسئلة تتجاوز التنسيق الانتخابي أو التفاوضي العابر.
ما الأرضية الفكرية المشتركة التي تجمع الطرفين؟
وما حدود التفاهم بينهما بشأن طبيعة الدولة وهويتها ولغتها ومرجعيتها الدينية؟
وهل نحن أمام مجرد تقاطع في المصالح السياسية الراهنة، أم أمام مشروع يراد له أن يكتسب من الحوار الوطني شرعية أوسع من حجمه الاجتماعي والانتخابي؟
هذه أسئلة مشروعة لا ينبغي أن تُقابل بالتخوين أو بالتشكيك في حق أصحابها في العمل السياسي.
لكن ما لا يجوز أيضاً هو أن تتحول المشاركة في الحوار إلى تفويض مفتوح لكتلة تفاوضية كي تفرض على بقية المجتمع تصوراتها الخاصة بشأن مستقبل الدولة.
إن الحوار الوطني ليس غنيمة تتقاسمها التحالفات، ولا مناسبة لإعادة هندسة الهوية الوطنية وفق موازين القوى الظرفية.
رابعاً: == موريتانيا لا تحتمل مغامرة سياسية جديدة
إن قراءة هذه المخاطر لا تنفصل عن طبيعة الدولة الموريتانية ومحيطها الإقليمي.
فنحن نعيش في منطقة تتجاور فيها بؤر النزاع والانهيار المؤسسي، وتتعرض فيها الدول لاختبارات قاسية في وحدتها الترابية وتماسكها الاجتماعي وقدرتها على الاحتفاظ بسلطتها ومؤسساتها.
وليس من الحكمة أن نتصرف وكأن موريتانيا محصنة بصورة نهائية من تلك المخاطر.
إن التجربة الإقليمية القريبة تقدم دروساً كافية في أن التراكمات الهوياتية والأيديولوجية، حين تتقاطع مع ضعف المؤسسات وسوء إدارة الانتقالات السياسية، يمكن أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وتزداد هذه المسألة أهمية في ظل ما تتسم به التجربة السياسية الموريتانية الراهنة من تسامح وانفتاح، وما يقتضيه ذلك من يقظة سياسية وفكرية تحول دون استغلال مناخ الحرية والحوار لفرض مشاريع تتعارض مع الأسس الحضارية للدولة.
إن الحفاظ على الدولة يقتضي الاعتراف بأن بعض الخيارات السياسية قد تكون لها عواقب تتجاوز أصحابها، وأن إصلاح الاختلالات قبل استفحالها أقل كلفة بكثير من محاولة معالجتها بعد أن تصبح واقعاً.
خامساً: == لماذا أرى ضرورة استمرار المنهج الغزواني لما بعد 2029؟
إن الحديث عن الحوار المرتقب ومستقبل الدولة يقود بالضرورة إلى سؤال القيادة والاستقرار السياسي.
ولا يمكن مناقشة هذا الموضوع بمعزل عن التجربة التي يمثلها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وما أتاحه نهجه من استمرار مؤسسات الدولة، وإدارة التوازنات السياسية، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
ولست أدعي أن التجربة خالية من النواقص، أو أن السياسات القائمة بمنأى عن النقد والمراجعة؛ فذلك ليس منطق السياسة ولا منطق الدولة.
لكن التقييم الموضوعي لأي تجربة حكم ينبغي أن يقارن بين كلفة استمرار المسار الإصلاحي ومخاطر الانتقال إلى مسار غير واضح المعالم، خصوصاً في مجتمع لم تستكمل مؤسساته بعد ؛ شروط المناعة السياسية والاجتماعية.
إن استقرار الدولة لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص في مواعيد زمنية آلية، كما لا يتحقق بتحويل استمرار القيادة إلى غاية في ذاته. وإنما يتحقق ببناء مؤسسات قادرة على استيعاب التحولات، وبإنتاج توافق وطني حول الأولويات الكبرى.
ومن هذا المنطلق، أرى أن استمرار المنهج الغزواني لما بعد 2029 يستحق أن يكون موضوعاً جدياً للنقاش الوطني، بل إن استمرار القيادة القادرة على حماية هذا المسار، إذا توافرت له الشروط السياسية والدستورية والتوافقية اللازمة، قد يكون خياراً أكثر أماناً من المجازفة بانتقال غير محسوب.
إننا لا نحتاج إلى انتقال من أجل الانتقال، ولا إلى تداول شكلي يعيد إنتاج الهشاشة، وإنما إلى استمرارية سياسية تتيح استكمال بناء المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحصين الدولة من الاختراقات الأيديولوجية والتجاذبات الهوياتية.
والحق في مناقشة مستقبل الترتيبات الدستورية والسياسية يظل من مسائل الإرادة الوطنية، على أن تظل المصلحة العليا للدولة ووحدة المجتمع معياراً أساسياً في تقدير الخيارات.
سادساً: == الحوار اختبار للمسؤولية الوطنية
إن الحوار المرتقب ينبغي ألا ينحصر في الترتيبات الانتخابية أو تقاسم المواقع أو معالجة التنافس بين النخب.
إنه فرصة لاختبار مدى استعداد القوى السياسية للاتفاق على ثوابت الدولة، وصيانة هويتها، وتعزيز مكانة اللغة العربية، وحماية المرجعية الإسلامية، وضمان المواطنة المتساوية، ومنع تحويل الاختلافات الاجتماعية إلى مشاريع سياسية متصارعة.
كما ينبغي ألا يكون الحوار وسيلة لتكريس نفوذ تحالفات ظرفية على حساب بقية مكونات المجتمع.
فمن حق كل طرف أن يعرض برنامجه، ومن حق المجتمع أن يناقش ذلك البرنامج، ومن حق الدولة أن تحمي وحدتها ومؤسساتها من كل ما يهدد تماسكها، وفق الوسائل القانونية والسياسية المشروعة.
خاتمة: == الإنذار قبل وقوع ما لا يمكن تداركه
أستحضر في هذا المقام الدلالة العميقة لقوله تعالى:
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].
ولا أنزل حكم الآية على تنظيم سياسي معاصر، ولا أجعلها دليلاً على نيات لا أعلمها، وإنما أستحضر ما تنطوي عليه من تحذير بالغ من خطورة الاكتفاء بالعهود اللفظية حين تغيب الضمانات الحقيقية للوفاء بها.
إن الأوطان لا تُحمى بحسن الظن وحده، ولا بسوء الظن، وإنما بالوعي واليقظة والمساءلة والقدرة على قراءة المقدمات قبل أن تستحيل نتائجها.
إنني أكتب هذا التحذير لأنني لا أريد لموريتانيا أن تنتظر حتى تجد نفسها أمام أزمة لا تستطيع السيطرة على مسارها، ولا أريد أن يتحول مناخ التسامح والانفتاح السياسي إلى منفذ لمشاريع متصارعة على هوية الدولة ومرجعيتها.
وأعتقد أن استمرار النهج الغزواني، واستكمال بناء المؤسسات، وتحصين الوحدة الوطنية، وإيجاد توافق سياسي طويل الأمد، تمثل جميعها عناصر في استراتيجية وطنية ينبغي ألا تتوقف عند سنة 2029.
إن الخطر الحقيقي ليس في أن تختلف القوى السياسية، وإنما في أن تفقد الدولة القدرة على إدارة اختلافاتها. وليس من الحكمة أن ننتظر وقوع الأزمة حتى نكتشف أننا كنا نملك من المؤشرات ما يكفي للتحذير منها، ولكننا آثرنا الصمت.
فهذا جرس إنذار، لا إعلان خصومة؛ ودعوة إلى اليقظة، لا إلى الإقصاء؛ ودفاع عن استمرارية الدولة، قبل أن تصبح كلفة إنقاذها أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال ؟؟؟ .