
تابعت باهتمام كبير حديث فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أمام جماهير الولاية الغربية من مدينة نواكشوط، ولاحظت أنه حرص كل الحرص على تأطير خطابه بروح من التسامح والإنصاف، وتثمين الجهود التي بذلتها الحكومات الموريتانية المتعاقبة على امتداد ما يقارب سبعة عقود، بعيداً عن منطق التنكر للماضي أو اختزال تاريخ الدولة في مرحلة سياسية بعينها.
وقد تضمن الخطاب تشخيصاً لجملة من الاختلالات البنيوية التي تعترض تحديث العاصمة، مقروناً بإعلان رغبة رئاسية واضحة في تنفيذ مشاريع عمرانية وخدمية كبرى، تشمل تطوير شبكة الطرق السريعة، وإنشاء الجسور، وتوسيع الحدائق والساحات العامة، وتعزيز البنية الصحية ببناء النقاط الصحية والمستشفيات المتخصصة، وتطوير المؤسسات التعليمية والجامعية، مع تخصيص الموارد المالية اللازمة لهذه البرامج.
كما أكد الرئيس مواصلة مكافحة الفساد بلا هوادة ، وتوقف عند مشكلتي المياه الصالحة للشرب والكهرباء اللتين لازمتا العاصمة منذ نشأتها، معبراً عن أمله في أن يصبح الحديث عنهما قريباً حديثاً عن مشكلات تجاوزتها الدولة. وأشار كذلك إلى أن مشروع الصرف الصحي يسير في الاتجاه الصحيح.
وفي موضوع النظافة، حمّل الرئيس المواطنين جانباً من المسؤولية، داعياً إلى التعاون مع البلديات وشركات النظافة، انطلاقاً من أن نظافة العاصمة ليست التزاماً إدارياً محضاً، وإنما مسؤولية مشتركة بين السلطات العمومية والمواطنين.
إن هذه التوجهات تستجيب لمطالب مشروعة، وتنسجم مع مقتضيات الحق في الخدمات الأساسية، والتنمية الحضرية المتوازنة، وتحسين جودة الحياة. فالعاصمة ليست مجرد مركز إداري، بل هي الواجهة المؤسسية والحضارية للدولة، ويظل مستوى تجهيزها العمراني والخدمي أحد المؤشرات العملية على كفاءة السياسات العمومية.
غير أن الإشكال الذي يستحق النقاش لا يتعلق بوجاهة هذه المشاريع، وإنما بالشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لتنفيذها، وبالزمن المتاح لتحقيقها، في ظل اقتراب الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.
أولاً: استمرارية السياسات العمومية ومقتضيات الاستقرار
إن المشاريع الكبرى، بحكم طبيعتها وتكاليفها وآجال تنفيذها، لا يمكن إخضاعها لمنطق الدورات الانتخابية القصيرة، ولا ضمان استكمالها دون حد أدنى من استمرارية السياسات العمومية واستقرار القرار التنفيذي.
ومن هنا تبرز أهمية النقاش الدائر حول مستقبل المسار السياسي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في ظل ضغوط متزايدة تدفع باتجاه مغادرته الساحة السياسية، مقابل مطالب صادرة عن قطاعات من الرأي العام تطالبه بمواصلة المسار واستكمال البرامج التي لم تبلغ أهدافها بعد.
ومن الناحية السياسية، لا يجوز أن تتحول رغبة أقلية منظمة، مهما كانت قدرتها على التأثير والوصول إلى مراكز القرار، إلى إرادة ملزمة للأغلبية، كما لا يجوز افتراض أن المطالبة باستمرار الرئيس تمنحه تفويضاً تلقائياً يتجاوز القواعد الدستورية النافذة.
إن الفيصل في هذه المسألة هو الإرادة الوطنية الحرة، والاحتكام إلى المؤسسات، وضمان أن تكون الخيارات السياسية المطروحة تعبيراً عن تنافس مشروع، لا نتيجة لضغوط غير متكافئة أو ترتيبات مسبقة.
ثانياً: حياد المؤسسات وضمانات النزاهة الانتخابية
تزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى طبيعة المؤسسات والشخصيات التي ستضطلع بأدوار حاسمة في المرحلة المقبلة، سواء تعلق الأمر برئاسة المجلس الدستوري، أو برئاسة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، أو بتنسيق الحوار الوطني المرتقب.
فخلفيات القيادات المعنية، وتاريخها النضالي، وارتباطاتها السياسية والأيديولوجية بحركة الكادحين والحركة الوطنية الديمقراطية، فضلاً عن صلاتها بقيادات حركة أفلام، ليست مسائل ينبغي تجاهلها عند تقييم شروط الحياد المؤسسي قد يقرا بين سطور غير مرئية سيناريو خطير مطروح بقوة على طاولة الحوار ولا يستبعد ان تكون ورائه اشباح مؤسسية غير محايدة .
ولا يتعلق الأمر هنا بمصادرة حق أي مواطن في الانتماء السياسي أو النضال الحزبي، فذلك حق مشروع، وإنما يتعلق بالفصل الضروري بين النشاط السياسي السابق أو القائم، وبين مقتضيات المسؤولية المؤسسية التي تفرض التجرد والاستقلالية والمساواة في التعامل مع مختلف الأطراف.
ومن منظور قانوني، فإن الحياد المؤسسي لا يتحقق بمجرد حمل صفة رسمية، بل يستلزم ضمانات موضوعية وإجرائية تمنع تضارب المصالح، وتكفل استقلال القرار، وتوفر لجميع المتنافسين فرصاً متكافئة، وتضمن خضوع الإجراءات الانتخابية للرقابة والمراجعة وفقاً للقانون.
كما أن المجلس الدستوري، بحكم اختصاصاته في الرقابة الدستورية والبت في المسائل الانتخابية الداخلة في نطاق ولايته، لا يجوز أن يكون موضع شبهة انحياز سياسي. واللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات مطالبة، بحكم طبيعة مهمتها، بضمان المساواة والشفافية والنزاهة في إدارة الاقتراع. أما الحوار الوطني، فلا يكتسب مشروعيته السياسية إلا إذا توافرت فيه شروط التمثيل المتوازن، والاستقلال في إدارة النقاش، وعدم احتكار أي طرف لجدول أعماله أو مخرجاته.
إن اجتماع هذه المواقع في ظل خلفيات سياسية متقاربة يفرض ضرورة توفير ضمانات إضافية للحياد والتوازن، حتى لا تتحول الثقة المفترضة في المؤسسات إلى مجرد افتراض لا تسنده آليات عملية.
ثالثاً: مخاطر التحالفات الأيديولوجية والتأثير الخارجي
إن ما يثير القلق لا يقتصر على التوازن داخل المؤسسات، بل يمتد إلى طبيعة التحالفات السياسية التي قد تتولى توجيه المرحلة المقبلة.
فثمة تقارب بين تيارات يسارية ذات مرجعيات ماركسية وحركة أفلام، وهي تحالفات ينبغي تقييم برامجها ومواقفها من قضايا الدولة والهوية والوحدة الوطنية، بعيداً عن الشعارات العامة أو الاعتبارات التكتيكية.
ولا يمكن التعامل مع مفاهيم الصراع الطبقي أو العنف الثوري باعتبارها مجرد مفردات سياسية عابرة، إذا كانت تتحول إلى أدوات لتبرير الإقصاء أو تأجيج الانقسامات أو المساس بالثوابت التي يقوم عليها التعايش الوطني.
كما أن احتمال التأثير الخارجي في توجيه الاستحقاقات الوطنية يظل من أخطر المسائل التي تستوجب الانتباه. فالسيادة لا تقتصر على سلامة الحدود أو استقلال القرار الدبلوماسي، بل تشمل أيضاً استقلال العملية الانتخابية والحوار الوطني عن أي وصاية أو توجيه خارجي.
ومن ثم، فإن أي ترتيب سياسي يستهدف التأثير في نتائج الانتخابات أو إعادة تشكيل موازين السلطة خارج الإرادة الوطنية الحرة، يتعارض مع مبدأ السيادة الشعبية، ويضعف الثقة في المؤسسات، مهما كانت الوسائل المستخدمة أو الشعارات المرفوعة.
ولا يعني ذلك اتهام جهة بعينها بإدارة العملية من الخارج دون أدلة محددة، وإنما يعني رفض أي تدخل خارجي، والتحذير من أن تتحول التحالفات الداخلية إلى قنوات لتصفية حسابات أو تنفيذ أجندات لا تنبع من المصالح الوطنية.
رابعاً: الحوار الوطني بين التوافق والوصاية السياسية
إن الحوار الوطني المرتقب يمثل فرصة لمعالجة الاختلالات السياسية والمؤسسية، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للتوتر إذا لم تحكمه قواعد واضحة للتمثيل والحياد وتكافؤ المشاركة.
فالحوار ليس آلية لمنح الشرعية لمواقف مسبقة، ولا مناسبة لفرض خيارات أقلية على بقية المكونات السياسية والاجتماعية، وإنما هو إجراء توافقي يفترض أن تكون مخرجاته ثمرة مشاركة حقيقية ومتوازنة.
كما أن منسق الحوار، أياً كانت خلفيته السياسية، مطالب بالالتزام الصارم بمقتضيات الحياد الإجرائي، وعدم توجيه النقاش أو ترجيح كفة طرف على حساب آخر.
ومن المهم أن تتحدد قواعد الحوار وجدول أعماله وآليات اتخاذ القرار فيه بصورة معلنة، وأن تتوافر ضمانات تمنع احتكار أي جهة لتمثيل المجتمع أو التحدث باسمه.
فلا يمكن بناء توافق وطني على أساس اختلال التمثيل، ولا يمكن اكتساب المخرجات شرعيتها بمجرد التوافق بين أطراف محددة، إذا كان ذلك التوافق قد استبعد قوى أو مكونات ذات حضور وطني معتبر.
خامساً: الدولة أولاً
إن موريتانيا ليست ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية، ولا مجالاً لمغامرات سياسية لا تقدر عواقبها على استقرار الدولة ووحدتها.
لقد راكمت البلاد، رغم محدودية مواردها وتعقيدات محيطها الإقليمي، تجربة مؤسسية تستحق الحماية والتطوير. وهي تواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تجعل المحافظة على التماسك الداخلي واستقلال القرار الوطني ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن خطاب الرئيس حول تحديث نواكشوط ينبغي أن يُقرأ في سياق أوسع، هو ضرورة استكمال بناء الدولة، وتطوير بنيتها التحتية، وتحسين خدماتها، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ولا يمكن تحقيق ذلك في بيئة سياسية تتقدم فيها الحسابات الانتخابية الضيقة على مقتضيات التنمية، أو تتحول فيها المؤسسات الدستورية والانتخابية إلى موضع تنازع بين التحالفات السياسية.
إن المطلوب ليس إقصاء أي تيار أو مصادرة حق أي طرف في المنافسة، وإنما ضمان خضوع الجميع للقواعد نفسها، وتحصين المؤسسات من التوظيف الحزبي، ومنع أي تدخل خارجي، واحترام الإرادة الوطنية الحرة.
خاتمة
إن ما يبعث على التفاؤل في خطاب الرئيس هو وضوح التوجه نحو تحديث العاصمة، والاعتراف بأن ما تحقق خلال العقود الماضية لا يلغي حجم ما بقي من تحديات.
لكن ما يبعث على القلق هو أن الوقت يمضي، وأن الاستحقاقات السياسية تقترب، فيما لا تزال الضمانات الكافية لتحييد المؤسسات وضمان التوازن السياسي موضع تساؤل.
إن المشاريع الكبرى تحتاج إلى الاستمرارية، والاستمرارية تحتاج إلى الاستقرار، والاستقرار لا يتحقق بإسكات المعارضة أو إقصاء المخالفين، وإنما باحترام قواعد المنافسة العادلة، وضمان استقلال المؤسسات، والاحتكام إلى الإرادة الوطنية.
إن موريتانيا أكبر من تحالف سياسي، وأكبر من أقلية مهما بلغت قدرتها على التنظيم والتأثير، وأكبر كذلك من الأشخاص الذين يتولون المسؤولية في مرحلة بعينها.
وما نريده هو دولة لا تُختطف مؤسساتها، ولا تُصادر إرادة مواطنيها، ولا تُعرّض استقرارها لمغامرات سياسية، بل تواصل بناء مستقبلها على أساس السيادة والإنصاف والتوازن والاستمرارية.
