مدرسة الدبلوماسية و الشعر كيف انتزع المرحوم حمدا ولد التاه هيبة موريتانيا في دقيقتين ؟

في تاريخ المحافل الدولية، تُقاس قوة الدول عادةً بحجم وفودها أو ثقلها الاقتصادي، لكن في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الشهير المنعقد بمدينة طرابلس الليبية ، نسفت موريتانيا بلاد المليون شاعر هذه القواعد المادية، لتثبت أن الكلمة البليغة والبداهة الخاطفة يمكنهما إعادة تشكيل موازين الهيبة في لحظات.
ففي تلك الحقبة، كانت موريتانيا في أعين الكثير من الوفود الدولية المشاركة مجرد دولة قصية تقبع على هامش الخريطة العربية و الإفريقية، يعوزها التأثير اللوجستي و السياسي مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى. ولم يكن الوفد الموريتاني يحظى بامتيازات الوقت أو الصدارة في جدول أعمال المؤتمر المزدحم بالخطابات الطويلة المستفيضة للوفود الأخرى.
حين حان دور موريتانيا، كان الوقت قد استُنفد تماماً، ولم يتبقَّ للوفد سوى دقيقتين اثنتين فقط لإلقاء كلمته وسط قاعة خيم عليها الملل والإرهاق من طول السجالات. كان الموقف يمثل تحدياً بروتوكوليا كبيرا يهدد بمرور المشاركة الموريتانية مرور الكرام دون أي أثر.
ففي هذا المأزق الزمني الحرج، تجلت العبقرية الشنقيطية الفذة في شخص العلامة الراحل حمدا ولد التاه (رحمه الله). لم يستسلم الشيخ لضيق الوقت، وبسرعة بديهة مذهلة، قام بانتزاع قطعة الكرتون الصغيرة الداعمة للياقة قميصه الجديد، واستل قلمه ليخط عليها في ثوانٍ معدودة أبياتاً نابضة حرّكت سواكن القاعة.
اعتلى المنصة، وبدلاً من إلقاء خطبة إنشائية تقليدية تضيع في ركام الوقت، ألقى هذه الأبيات الهادرة بصوت واثق :

اللهُ أكبرُ إنَّ الإيمانُ قَدْ ضَمَّنا ... وَدَلِيلُنا القُرْآنُ
ضَحِكَ العَدُوُّ وَظَنَّها أُلْعُوبَةً ... حَتَّى تَفَجَّرَ حَوْلَهُ البُرْكَانُ
نُورٌ مِنَ الوَحْيِ المُقَدَّسِ هَزَّنا ... لَا القُطْرُ لَا التَّمْيِيزُ لَا الأَلْوَانُ
يَا آسِيَا إِفْرِيقِيَا أُخْتٌ لَكُمْ ... وَحْيُ السَّمَاءِ لِمَجْدِكُمْ عُنْوَانُ
هَيَّا لِنَبْنِي أُمَّةً قَدْ مُزِّقَتْ ... أَوْصَالُهَا أَوْدَى بِهَا العُدْوَانُ
لَا يَا عَدُوُّ فَنَحْنُ أَهْلُ حَضَارَةٍ ... سَيَقُومُ بَعْدَ سُقُوطِهَا البُنْيَانُ
فِي الحُكْمِ فِي الأَخْلَاقِ فِي عَادَاتِنَا ... فِي فِكْرِنَا وَلْيَخْسَأِ الشَّيْطَانُ
هَيَّا إِلَى نَيْلِ الشَّهَادَةِ إِنَّهَا ... لَهْيَ الحَيَاةُ وَغَيْرُهَا خُسْرَانُ
فَاللهُ جَلَّ قَدِ اشْتَرَاكُمْ مِنْكُمُ ... فَاسْتَبْشِرُوا يَا أَيُّهَا الإِخْوَانُ
فِي عُقْدَةٍ قَدْ أُبْرِمَتْ فَوْقَ السَّمَا ... لَا تَنْقُضُوا مَا أَبْرَمَ الرَّحْمَانُ
لَبَّيْكَ إِنَّا سَائِرُونَ لِقُدْسِنَا ... وَلْيَسْقُطِ الأَعْدَاءُ أَيَّا كَانُوا!

وما إن فرغ الشيخ حمدا من إنشاد البيت الأخير، حتى اشتعلت القاعة المزدحمة بعاصفة من التصفيق الحاد والوقوف إجلالاً. لقد نجح في دقيقتين فقط عبر قطعة كرتون مهملة في اختصار الرؤية السياسية و الفقهية و الإنسانية للأمة الإسلامية. وتحولت موريتانيا في تلك اللحظة من دولة منسية على الهامش إلى النجم الأبرز في المؤتمر، حيث تسابق رؤساء الوفود لتهنئة الشيخ وطلب تدوين الأبيات .
حيث لم تكن هذه الأبيات مجرد تفاعل عاطفي عابر، بل كانت تجسيداً حياً لمدرسة حمدا ولد التاه المتكاملة، والتي تميزت بخصائص استثنائية : -
• العمق الفقهي والشرعي : انطلق الشيخ من مرجعية إسلامية راسخة وجعل من قيم الوحي دليلاً ناظماً للخطاب الدبلوماسي.
• الأصالة الأدبية و الشعرية : طوع بحور الشعر العربي لخدمة قضايا وطنه وأمته بكفاءة لغوية نادرة تذكر بعصر الفطاحل.
• الذكاء الدبلوماسي وسرعة البداهة : نجح في تحويل تحدٍّ لوجستي وزمني إبان المؤتمر إلى انتصار معنوي ساحق لصالح موريتانيا، مستخدماً سلاح الكلمة الطريفة والمقنعة في آن واحد.
لقد برهن العلامة حمدا ولد التاه، من خلال هذا الارتجال التاريخي، على أن الثقافة المحظرية الموريتانية قادرة على القيادة و التأثير في المحافل الدولية بمرونة وأناقة. فبين الفقه و الأدب و الجد و الطرافة رسم الشيخ لوحة خالدة أكدت أن الدبلوماسية الموريتانية تُكتب أحياناً بمداد الشعر،
لتنتصر بها البلاد في معارك الفكر و البيان .

رحم الله العلامة الجليل حمدا و غفر له و جزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .
اباي ولد اداعة.