
في بعض المراكز والدوائر السياسية، يتصاعد خطاب يرفع شعار احترام الدستور ومكانته في دولة القانون والنظام الديمقراطي، ويقرن ذلك بالتحذير من إعادة انتخاب الرئيس لمامورية اخرى ، حتى يُقدَّم مجرد طرح المأمورية الثالثة باعتباره تهديدًا للدولة وخروجًا على الشرعية وانتهاكا لحرمة الدستور .
ويبدو هذا الخطاب، في تقديري، جزءًا من استراتيجية سياسية تتبناها بعض الأوساط اليسارية، تقوم على شحن الرأي العام ضد استمرار الرئيس، وتوظيف الشعارات الدستورية والديمقراطية لتعبئة المعارضة وتهيئة الظروف للسيطرة على السلطة. وهي قراءة تستوجب مناقشة الأهداف السياسية الكامنة وراء هذا الخطاب، بدل التسليم بادعاءاته أو تحويلها إلى مسلمات وطنية.
1. تجريم الخيار السياسي ليس حجة قانونية
إن وصف المطالبة باستمرار الرئيس بالخيانة الوطنية أو الانحراف الأخلاقي لا يستند إلى مجرد الاختلاف السياسي. فالمطالبة بخيار سياسي، في ذاتها، لا تثبت فساد صاحبها أو سوء قصده، كما أن الاعتراض على ذلك الخيار لا يثبت وحده سلامة البديل المقترح.
والفصل واجب بين تقييم أداء الرئيس، وتحديد القواعد القانونية المنظمة للولاية الرئاسية، وتقدير المصلحة الوطنية في المرحلة المقبلة. فهذه مسائل مختلفة لا يجوز دمجها في حكم أخلاقي واحد.
2. الدستور وواقع الممارسة السياسية
إن الاحتجاج بالدستور يقتضي مناقشة مصدر الشرعية الدستورية، ومدى المشاركة الشعبية في تأسيسها، ومدى احترام المؤسسات والإجراءات المنظمة لممارستها.
وقد عرفت التجربة السياسية الموريتانية اختلالات في نزاهة المنافسة الانتخابية، وتأثيرًا لنفوذ السلطة والروابط التقليدية والمال السياسي في توجيه الأصوات. وهذه الاختلالات، متى ثبتت في وقائع محددة، تفرض تقييمًا جادًا لمدى التعبير عن الإرادة العامة.
ولا يترتب على ذلك نفي القيمة القانونية للدستور أو إباحة مخالفته؛ بل يترتب عليه رفض الانتقائية في الاحتجاج بالشرعية، وضرورة التمييز بين قانونية القاعدة، وشرعية الممارسة، وفعالية المؤسسات في التعبير عن إرادة المواطنين.
3. الانتخابات المفتوحة لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار
إن سلامة الإجراءات الانتخابية لا تضمن، بذاتها، سلامة النتائج السياسية أو استقرارها. فاستقرار الدولة يتوقف كذلك على تماسك مؤسساتها، وقدرتها على إدارة التنافس، وقبول القوى الاجتماعية والسياسية بنتائجه.
وموريتانيا، بحكم هشاشة بعض توازناتها الداخلية واضطراب محيطها الإقليمي، لا تستطيع التعامل مع انتقال السلطة بوصفه إجراءً محايدًا عن المخاطر الوطنية. فالتنافس على الرئاسة قد يتحول إلى صراع على مراكز النفوذ والاتجاهات الأيديولوجية، وتكون كلفته أكبر من كلفة الخلاف الذي أريد حسمه بالانتخابات.
ولا تعني هذه الحجة رفض الانتخابات، وإنما رفض اعتبارها ضمانة مكتفية بذاتها، دون تقدير مسبق لقدرة الدولة على استيعاب نتائجها.
4. مرشح النظام: استمرارية سياسية أم إعادة تأسيس لمراكز النفوذ؟
إن ترشيح شخصية من داخل النظام لا يضمن استمرار نهجه؛ فانتقال السلطة ينقل مركز القرار إلى الرئيس الجديد، ويمنحه سلطة إعادة ترتيب التحالفات ومراكز النفوذ وتحديد الأولويات. وهذه قاعدة في تحليل السلطة: فالعلاقة التي تسبق تولي المنصب لا تساوي العلاقة التي تنشأ بعد امتلاكه.
ولا تمنح القرابة ، أو روابط الولاء الديني، أو المصالح المشتركة، أي ضمانة لاستمرار التفاهم السياسي. فتولي الرئاسة يغيّر موازين القوة، ويجعل استقلال القرار الرئاسي وتعارض المصالح عاملين حاسمين في العلاقات السابقة. وقد تنقلب الثقة إلى شك، والتقارب إلى تنافس، والتحالف إلى خصومة شديدة، بصرف النظر عن قوة الروابط التي سبقت الوصول إلى السلطة.
وبذلك، فإن افتراض استمرار الوفاء السياسي بعد انتقال مركز القرار ليس أساسًا سليمًا للاختيار. كما أن وحدة الانتماء الحزبي أو النظامي لا تكفل وحدة المصالح بعد انتقال السلطة.
وعليه، فإن تقديم مرشح بديل لا يضمن استمرارية السياسات ولا يحمي بالضرورة القيادة المنتهية ولايتها من تراجع نفوذها. والاختيار الرشيد يقتضي احتساب مخاطر الانتقال ذاتها، لا الاكتفاء بالثقة الشخصية أو التشابه السياسي أو سلامة الإجراءات الشكلية.
5. الاستمرار بوصفه خيارًا لحماية استقرار الدولة
أرى أن استمرار الرئيس غزواني يمثل، في الظروف الموريتانية الراهنة، الخيار الأرجح وقد يكون الاحوط لتحقيق الاستقرار مقارنة بانتقال غير محسوب العواقب. فالرئيس الحالي معروف للمؤسسات والقوى الداخلية والشركاء الخارجيين، وقد تشكلت خلال سنوات حكمه خبرة عملية في التعامل معه، بينما يظل المرشح البديل غير معلوم الاتجاهات المستقبلية، مهما كانت صلاته بالنظام القائم.
ولا تقوم هذه الحجة على افتراض عصمة الرئيس أو خلو تجربته من الأخطاء، بل على المفاضلة بين المخاطر. فالقرار الوطني لا يُبنى على البحث عن شخص لا عيوب له، وإنما على اختيار المسار الذي يُقدَّر أنه يخدم استمرارية الدولة ويحد من احتمالات الاضطراب.
وفي بلد تتطلب أوضاعه ترسيخ المؤسسات وتحصين التوازنات الاجتماعية، تصبح المحافظة على الاستقرار أولوية سياسية معتبرة، لا مجرد شعار يُستعمل لتبرير البقاء في السلطة.
وهذا التقدير السياسي لا يلغي البحث في الإطار القانوني لأي خيار، ولا يجعل الاستقرار ذريعة كافية لتجاوز القيود الدستورية النافذة؛ بل يقتضي مناقشة المصلحة الوطنية والإطار القانوني كلًّا في مجاله، دون الخلط بينهما.
6. الموقف الغربي والمصلحة الوطنية
إن الجزم بأن الدول الغربية ستعارض إعادة انتخاب غزواني لا يستند إلى أساس كافٍ ما لم تدعمه مواقف رسمية أو مؤشرات موثوقة. فالدول الغربية ليست كتلة سياسية واحدة، كما أن سياساتها الخارجية تقوم على تفاعل اعتبارات الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع الاعتبارات القانونية والسياسية.
وقد راكمت هذه الدول خبرة في التعامل مع الرئيس غزواني خلال سنوات حكمه، وهو عنصر يدخل في حساباتها، دون أن يثبت وحده موقفًا نهائيًا من أي تغيير دستوري محتمل.
ومن ثم، فإن اتخاذ موقف غربي مفترض ذريعة لإغلاق النقاش الداخلي خطأ في التقدير. فالمعيار الأول هو المصلحة الوطنية الموريتانية، مع مراعاة الالتزامات الدولية والآثار الخارجية للقرارات السيادية.
الخاتمة : == معيار الاختيار هو مصلحة الدولة
إن قضية المأمورية الثالثة لا تُحسم بالتخوين، ولا بافتراض أن كل انتقال ديمقراطي يحقق الاستقرار، ولا باعتبار استمرار القيادة ضمانة مطلقة من كل خطر. وإنما تُحسم بمقارنة جدية بين البدائل، وتقدير آثارها على الدولة والمجتمع ومؤسسات الحكم.
وموقفي واضح: إن هشاشة التوازنات الموريتانية واضطراب المحيط الإقليمي يجعلان استمرار غزواني، ، أرجح حسب أغلب المعطيات التى وقفت عليها من انتقال سياسي غير محسوب العواقب، إلى أن تبلغ المؤسسات الوطنية درجة من الرسوخ والاستقرار تسمح بتداول السلطة دون تعريض ديمومة الدولة للخطر.
ولا أعتبر الدعوة إلى استمراره خيانة للوطن، كما لا أعتبر الاعتراض عليها خيانة مقابلة. لكنني أرفض احتكار الوطنية أو الديمقراطية، وأرفض تحويل الخلاف حول مستقبل الرئاسة إلى محاكمة أخلاقية للآراء المخالفة.
إن الأولوية ليست للانتصار لشعار دستوري أو سياسي بمعزل عن نتائجه، بل لحماية الدولة، وصيانة تماسك المجتمع، وضمان استمرارية المؤسسات.
فالديمقراطية وسيلة لتنظيم السلطة، والدستور إطار للشرعية، أما الغاية العليا فهي بقاء الدولة واستقرارها وخدمة مصالح شعبها.
