تقلّب السلطان وصروف الزمان

في فقه السياسة وقراءة تحولات النفوذ
1. من شكوى الشاعر إلى فقه السياسة
يقول الشاعر منظور بن زبّان الفزاري:
ألا لا أبالي اليوم ما صنع الدهرُ
إذا مُنعت مني مليكةُ والخمرُ
فإن تكُ قد أمست بعيدًا مزارُها
فحيِّ ابنةَ المُرّي ما طلع الفجرُ
لعمري، ما كانت مليكةُ سوءةً
ولا ضُمَّ في بيتٍ على مثلها سترُ
وما منهما إلا شديدٌ فراقُهُ
شرابُ الندامى والمُخدَّرةُ البكرُ
في هذه الأبيات التى يتغنى بها الفنانون بارض البيظان فى مقام بيكى المدرج الخماسي شكوى من واقع انتُزعت فيه من الشاعر أشياء كان يألفها ويجد فيها متعته فواجه التحول بعبارة توحي باللامبالاة، وإن كانت تكشف، في عمقها، عن مرارة الفقد.
وليس المقصود أن نُسقط تجربة الشاعر على السياسة إسقاطًا مباشرًا، وإنما أن نستخلص منها سؤالًا يتجاوز المناسبة: كيف يتصرف الإنسان حين تتغير الظروف، وتُغلق أمامه أبواب، وتصبح بعض رغباته أو خياراته خارج نطاق إرادته؟
ذلك سؤال الأدب، ولكنه أيضًا سؤال السياسة؛ حيث لا تبقى المواقع ثابتة، ولا تدوم التحالفات، ولا يملك أحد أن يضمن أن الغد سيعيد إنتاج اليوم.
2. الدهر والسلطان والوصال: درس تقلّب الأحوال
السياسة ليست عالمًا من الثوابت المطلقة، ولا ميدانًا تُحسم فيه النتائج مرة واحدة وإلى الأبد. إنها مجال تتغير فيه موازين القوة، وتتبدل المصالح، وتتقدم شخصيات وتتراجع أخرى، وقد يجد الحليف نفسه خارج دائرة القرار، فيما يصبح الخصم السابق شريكًا في تدبير الشأن العام.
ومن الخطأ أن يُقرأ هذا التحول دائمًا بمنطق الخيانة والوفاء الشخصيين؛ فقد يكون بعضه نتيجة طبيعية لتغير المصالح والظروف، وقد يكون بعضه الآخر ثمرة سوء التقدير أو الإفراط في الثقة أو العجز عن استشراف المستقبل.
غير أن فهم طبيعة التحول لا يعني التسليم بكل ما يفرضه الواقع، كما أن التمسك بالمبادئ لا يقتضي الجمود على الوسائل. فهناك فرق بين الثبات على المبدأ والتشبث بموقع، وبين الوفاء للفكرة والارتهان لشخص، وبين الدفاع عن المصلحة العامة وتحويل السياسة إلى حسابات للرضا والخصومة.
3. فقه الممكن: كيف نختار حين تضيق الخيارات؟
ليس كل ما نريده ممكنًا، ولا كل ما نستطيع تحقيقه جديرًا بأن نسعى إليه. وبين الرغبة والقدرة، وبين المبدأ والواقع، تقع مساحة واسعة تحتاج إلى بصيرة وحسن تقدير.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فقه الممكن؛ لا بوصفه تبريرًا للعجز، وإنما باعتباره قدرة على ترتيب الأولويات، ووزن التكاليف، والتمييز بين ما يمكن تحصيله الآن وما ينبغي الاحتفاظ به هدفًا للمستقبل.
فقد يكون التراجع المحدود وسيلة لحماية مكسب أكبر، وقد يتحول التنازل، إذا تجاوز حدوده، إلى تفريط في أصل القضية. وقد يكون الانتظار حكمة حين تكون الظروف غير مواتية، لكنه يصبح عجزًا إذا اتُّخذ ذريعة دائمة لتأجيل القرار.
والسياسي الحصيف لا يسأل فقط: ماذا أريد؟ بل يسأل أيضًا: ماذا أستطيع؟ وما ثمن ما أريد؟ وما الذي سأخسره إذا أصررت عليه، وما الذي سافقده إذا تخلّيت عنه؟
4. التسوية السياسية: متى تكون حلًّا ومتى تصبح مأزقًا؟
لا تُقاس التسوية السياسية بمجرد ما تنهيه من خلاف، وإنما بما تفتحه من أفق، وما تحققه من توازن، وما تمنعه من خسائر.
فليست كل تسوية ضعفًا، كما أنه ليست كل مواجهة شجاعة. قد تكون التسوية تعبيرًا عن نضج سياسي يدرك أن المصالح الوطنية أوسع من انتصار طرف على آخر، وأن استمرار الصراع قد يُبدّد ما بقي من قدرة مشتركة على العمل.
لكن التسوية تفقد معناها حين تتحول إلى غطاء لتصفية الخلافات لمصلحة الأقوى، أو إلى وسيلة لتأجيل الأزمات من غير معالجة أسبابها، أو إلى تنازلات متتابعة لا تقابلها ضمانات ولا تفضي إلى استقرار حقيقي.
والمعيار، في نهاية المطاف، ليس رضا جميع الأطراف؛ فهذا متعذر في كثير من الأحيان، وإنما عدالة التوازن، ووضوح الالتزامات، وقابلية الاتفاق للاستمرار، وخدمة المصلحة العامة.
5. السلطان وتداول المصالح: لماذا لا تكفي الولاءات الشخصية؟
من أخطر ما يصيب الحياة السياسية أن تتحول المؤسسات إلى امتداد للأشخاص، وأن تُختزل المصالح العامة في العلاقات الخاصة، وأن يصبح القرب من مركز القرار بديلًا عن الكفاءة والاستحقاق.
فالسلطة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تضمن دوام التحالفات التي تقوم على المنفعة وحدها. وما يجمع الناس حولها اليوم قد لا يجمعهم غدًا، إذا تغيرت المواقع أو تبدلت الحسابات. أما المؤسسات، حين تقوم على قواعد واضحة، فتمنح الحياة العامة قدرًا من الاستقرار لا تستطيع العلاقات الشخصية وحدها توفيره.
ومن هنا، فإن الولاء السياسي الرشيد لا يعني إلغاء المصالح أو إنكار اختلاف التقديرات، بل يقتضي التمييز بين الوفاء للدولة والارتهان للأفراد، وبين التعاون مع السلطة في ما ينفع الناس والتعلق بمواقعها طلبًا للامتياز.
فالأشخاص يتغيرون، والمناصب تتداولها الأيدي، أما الدولة فلا ينبغي أن تُختزل في رجل، ولا أن تتوقف مصالحها على دوام نفوذ دائرة بعينها.
6. وهم دوام النفوذ وسوء قراءة المستقبل
اعتاد بعض الناس التماس القرب من السلطة، من أدنى سُلّمها إلى أعلاه، حتى توهّموا أن من تقلّد وظيفة مفصلية، أو ربطته صلات القرابة بمركز القرار، سيظل نافذًا، وأن التقرب منه استثمار مضمون العائد.
لكن المناصب لا تضمن دوام النفوذ، والقرابة لا تحصّن أصحابها من تبدل الموازين. وقد تتغير الحسابات حين تتغير المواقع، فيتحول التودد القائم على المنفعة إلى فتور أو قطيعة، وينقلب السحر على الساحر.
وليست العبرة في تجنب أصحاب السلطة، ولا في التقليل من قيمة العلاقات، وإنما في تقدير حدود النفوذ وعدم تعليق المصالح كلها بشخص واحد. فمن أحسن قراءة المستقبل لم يسأل فقط: من يملك النفوذ اليوم؟ بل سأل أيضًا: ما الذي يبقى من هذا النفوذ إذا تبدلت الظروف غدًا؟
وهنا تظهر إحدى مشكلات الثقافة السياسية: الخلط بين القرب من صاحب القرار والقدرة على التأثير المستقل، وبين امتلاك موقع مؤقت وامتلاك رصيد دائم من الكفاءة والثقة والخبرة. فالأول قد يزول بزوال أسبابه، أما الثاني فيمكن أن يبقى بعد تغير المواقع، إذا أحسن صاحبه بناءه وصيانته.
7. الصبر والمواجهة: كيف لا تتحول الواقعية إلى استسلام؟
لا يكون الصبر فضيلة في كل الأحوال، كما لا تكون المواجهة دليلًا على الشجاعة في كل مرة. إنما تُعرف قيمة الموقف من ملاءمته للظروف، ومن وضوح غايته، ومن قدرته على حماية ما يستحق الحماية.
فقد يكون الصبر ضرورة حين تكون كلفة المواجهة أكبر من جدواها، وقد تصبح المواجهة واجبًا حين يؤدي الصمت إلى ضياع الحقوق أو ترسيخ أوضاع لا يمكن إصلاحها بغير موقف حازم.
والواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع، مثلما لا تعني الشجاعة تجاهل موازين القوة. إنما تعني أن نعرف متى نفاوض، ومتى ننتظر، ومتى نواجه، ومتى نعيد النظر في الوسائل من دون أن نتخلى عن الغايات المشروعة.
أما تحويل كل تراجع إلى خيانة، وكل تسوية إلى هزيمة، وكل مواجهة إلى بطولة، فليس من السياسة في شيء؛ بل هو استبدال للتفكير بالشعارات، ولتقدير العواقب بالرغبة في إرضاء الأنصار.
8. ما الذي يبقى حين تتغير المواقع؟
قد يفقد المرء منصبًا، أو يخسر تحالفًا، أو يجد نفسه خارج دائرة التأثير، لكنه لا يفقد بالضرورة قيمته أو قدرته على العطاء. فالموقع ليس هو الشخص، والمنصب ليس مرادفًا للفاعلية، والسلطة ليست الطريق الوحيد إلى خدمة المجتمع.
بل إن التحولات تكشف أحيانًا ما كانت المواقع تحجبه: من امتلك خبرة حقيقية يستطيع أن يوظفها خارج المنصب، ومن بنى علاقاته على الثقة المتبادلة يستطيع أن يحتفظ بجزء معتبر منها بعد تغير الظروف، أما من استمد قيمته كلها من قربه من مركز القرار، فقد يكتشف أن نفوذه لم يكن ملكًا له، وإنما كان ظلًا لموقع لم يعد يشغله.
وهذا لا يعني تمجيد الخسارة أو الدعوة إلى الانسحاب من الحياة العامة، وإنما يعني تحرير الإنسان من وهم أن قيمته السياسية والاجتماعية تُقاس بما يملك من سلطة في لحظة بعينها.
فالقدرة على الاستمرار بعد التراجع، وعلى مراجعة المواقف من غير انكسار، وعلى حفظ الكرامة من غير خصومة مجانية، هي بعض ما يميز صاحب التجربة عن أسير اللحظة.
9. من تقلّب الدهر إلى حسن تدبير السياسة
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من تقلّب الأحوال ليس أن الإنسان ينبغي أن يتخلى عن طموحه، أو أن يساير كل تحول، أو أن ينظر إلى المبادئ باعتبارها عبئًا على المصالح؛ بل أن يدرك حدود إرادته، ويُحسن تقدير الممكن، ويميّز بين ما يتغير وما ينبغي أن يبقى ثابتًا.
فالسياسة التي لا تعرف المرونة تتحول إلى جمود، والمرونة التي لا تضبطها المبادئ تنتهي إلى انتهازية. وبينهما تقع الحكمة السياسية: أن نُحسن قراءة الواقع من غير أن نُسلّم له عقولنا، وأن نُراجع وسائلنا من غير أن نُفرّط في غاياتنا، وأن نُدرك أن النفوذ عابر ما لم تسنده كفاءة، وأن العلاقات متقلبة ما لم يحكمها قدر من الثقة والاحترام.
ولعل أبلغ ما في تجربة الشاعر أنه واجه فقدًا لم يكن يملك رده بمجرد الرغبة، فعبّر عن موقفه بعبارة تختلط فيها المرارة بالتظاهر باللامبالاة. أما السياسي، فليس مطلوبًا منه أن يتظاهر بأنه لا يبالي، وإنما أن يتعلم كيف يتصرف حين لا تسير الأمور وفق إرادته.
فليس النضج أن نضمن بقاء ما نحب، أو دوام من نثق بهم، أو استمرار مواقعنا؛ فذلك مما لا يملكه أحد. النضج أن نستعد لتبدل الأحوال من غير أن نفقد البوصلة، وأن نعرف متى نتمسك، ومتى نراجع، ومتى نغادر الموقع محتفظين بكرامتنا وقدرتنا على الفعل.
فالدهر لا يستأذن أحدًا حين تتغير أحواله، لكن حسن التدبير يظل من الأمور التي يملك الإنسان أن يتعلمها، وأن يُحسن بها مواجهة ما لا يملك تغييره.