
تحمل السباقات الانتخابية نحو المناصب الدولية عادة في طياتها الكثير من البراغماتية، ولا شذوذ عن هذه القاعدة في سياق ترشح الوزيرة الموريتانية السابقة السيدة كومبا با، لقيادة المنظمة الدولية للفرنكوفونية. ففي حديثها الأخير الذي أكدت فيه أن اللغة الفرنسية ليست في تراجع بموريتانيا، بدت التصريحات وكأنها وثيقة اعتماد جرى صياغتها بعناية لخطب ود العواصم المؤثرة داخل المنظمة، وعلى رأسها باريس، مصوّرةً نواكشوط كجسر ثقافي صامد يربط العالم العربي بإفريقيا جنوب الصحراء.
بيد أن هذا الخطاب الدبلوماسي الجذاب يصطدم على أرض الواقع بـحقيقة جيو-سياسية مغايرة تماما ، فالمنطقة تعيش تحولات عميقة تفيد بأن النفوذ الفرنسي، لغةً وسياسةً، يمر بأكبر مرحلة انكماش وتراجع منذ عقود.
ففي موريتانيا، ورغم استمرار الفرنسية كلغة عمل رئيسية في مجالات المال والأعمال وبعض مفاصل الإدارة، إلا أن التوجه العام، تعليمياً وتشريعياً، يسير وفق الدستور بثبات نحو تعزيز اللغة العربية و اللغات الوطنية ، مدفوعاً برغبة شبابية متصاعدة في الانفتاح على اللغة الإنجليزية بوصفها بوابة العلوم الحديثة والعولمة الرقمية.
أما في منطقة الساحل الإفريقي، فإن المشهد يبدو أكثر راديكالية. بحيث لم يعد النفوذ الفرنسي هناك متراجعاً فحسب، بل تحولت فرنسا رسميا إلى طرف غير مرغوب فيه ، حيث شهدت دول كمالي وبوركينا فاسو والنيجر طرداً للقوات العسكرية الفرنسية، و إلغاءً للاتفاقيات الثقافية والدبلوماسية. هذا التحول السياسي تُرجم لغويا بتعديلات دستورية جردت الفرنسية من صفتها كلغة رسمية لتصبح مجرد لغة عمل، تزامناً مع تجميد عضوية أو انسحاب هذه الدول من المنظمة الفرنكوفونية التي تطمح السيدة كومبا با لإدارتها.
هذا الحراك ليس معزولاً عما يحدث في المغرب العربي؛ حيث تشهد الجزائر وتونس والمغرب خطوات متسارعة، رسمية و شعبية، لإزاحة الفرنسية من صدارة المناهج الجامعية و الاقتصادية لصالح الإنجليزية، مستفيدة من مناخ الأزمات الدبلوماسية المتكررة مع باريس لإعادة صياغة الهوية اللغوية والمصالح الاستراتيجية.
في حين يمكن القول إن تصريحات المرشحة الموريتانية كومبا با هي تعبير عن واقع افتراضي يتطلبه الخطاب الدبلوماسي وتفرضه شروط المعركة الانتخابية داخل أروقة الفرنكوفونية.
أما الواقع الحقيقي المقروء على الأرض في موريتانيا وجوارها الإفريقي والمغاربي، فيؤكد أن المنطقة قد حسمت خيارها بالتحرر التدريجي من التبعية الثقافية لباريس، والتوجه نحو تنويع الشركاء الدوليين وتحقيق السيادة اللغوية الكاملة.
هذا وقد تأسست المنظمة الدولية للفرنكوفونية في سبعينيات القرن الماضي تحت شعار براق يهدف إلى بناء فضاء مشترك من التنوع الثقافي والتضامن بين الشعوب الناطقة باللغة الفرنسية. غير أن هذا الصرح الدولي لم يسلم، منذ نشأته، من سهام النقد التي لاحقته حيث يرى فيه الكثير من المحللين والمفكرين في دول الجنوب قناعاً ناعما يخفي وراءه وجها جديداً للاستعمار التقليدي (النيوكولونيالية). هذا المنظور النقدي يضع المنظمة اليوم أمام معضلة حقيقية تتأرجح بين موروثها اللغوي التقليدي ومتطلبات الواقع الجيوسياسي والاقتصادي الجديد.
لقد عيب على المنظمة طويلاً تركيزها المفرط على نشر اللغة الفرنسية وثقافتها، وهو ما اعتبره البعض محاولة صريحة لطمس الهويات المحلية واللغات الوطنية للشعوب المستعمرة سابقاً، وتكريساً لتبعية نخبوية تخدم مصالح باريس بالدرجة الأولى. ويزيد من حدة هذه الانتقادات موقف المنظمة في عقودها الأولى، حيث غابت التنمية الاقتصادية بشكل شبه كامل عن أولوياتها، إذ فضلت فرنسا إبقاء العلاقات الاقتصادية حبيسة اتفاقيات ثنائية و مباشرة (مثل منظومة فرنك سيفا) تضمن من خلالها احتكار أسواق و موارد الدول النامية، وتديم هيمنتها بعيداً عن أروقة العمل متعدد الأطراف.
اليوم، يواجه الفضاء الجغرافي للفرنكوفونية عوائق و تحديات غير مسبوقة،
فلم يعد التشتت الجغرافي وغياب الحدود المشتركة للدول الأعضاء هما العائقين الوحيدين، بل برزت تحديات أعمق تتمثل في انحسار جاذبية اللغة الفرنسية أمام التمدد الكاسح للغة الإنجليزية في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والصعود القوي لقوى دولية منافسة كالصين وروسيا في القارة الإفريقية. هذه التحولات، مصحوبة بموجة شعبية متصاعدة ترفض الوصاية الفرنسية في دول غرب إفريقيا، فرضت على المنظمة مراجعة حساباتها والتوجه مكرهةً نحو إطلاق مفهوم الفرنكوفونية الاقتصادية .
إن تحول المنظمة المتأخر نحو جعل التنمية الاقتصادية إحدى أولوياتها يعكس اعترافاً ضمنياً بأن بقاءها لم يعد ممكناً بالاكتفاء بالروابط الثقافية والأدبية. وفي عالم لا يعترف إلا بلغة المصالح المتبادلة والأرقام، يبقى السؤال قائماً: هل ستنجح الفرنكوفونية في التحول إلى تكتل اقتصادي حقيقي يحقق التنمية المستدامة لشعوبها، أم أنها ستبقى في نظر الكثيرين مجرد نادٍ لغوي يحاول عبثاً إحياء أمجاد إمبراطورية أفل نجمها ؟
حفظ الله إفريقيا
اباي ولد اداعة .

