
لم تكن الرحلة إلى الشمال، بالنسبة إلى ذلك الشاب الموريتاني، رحلة طالب يبحث عن جامعة، ولا انتقالًا عابرًا من صحراء إلى مدينة. كانت خروجًا من عالم كامل إلى عالم آخر، ثم عودةً ستكشف له أن الإنسان يستطيع أن يقطع آلاف الأميال في الجغرافيا، لكنه قد يحتاج عمرًا كاملًا ليعرف إلى أين قطعت به الرحلة روحه.
نشأ في بيئة الصحراء؛ حيث القبيلة ليست مجرد رابطة نسب، وحيث الانتجاع ذاكرة حياة، وحيث الماضي لا يسكن الكتب وحدها، بل يمشي في الطرقات ويتكلم في المجالس ويحدد للناس، في كثير من الأحيان، ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون. كان الآخر بعيدًا، وكانت الحداثة شيئًا يُسمع عنه أكثر مما يُعاش.
ثم جاءت الشهادة الفرنسية، وجاءت المنحة إلى باريس.
هناك، في مدينة الأنوار، لم يكتشف الشوارع والجامعات والحدائق العامة والمسارح ودور السينما وحظائر الحيوانات البرية و برج ايفل والميترو وناطحات السحاب وحدها؛ بل اكتشف أن العالم يمكن أن يُنظر إليه من زاوية أخرى. أشياء ظنها في طفولته من الثوابت المقدسة التي لا تُمس بدت له هناك اختيارات تاريخية قابلة للنقد، وأنظمة اجتماعية قابلة للتغيير، وأفكارًا كان يظنها نهائية فإذا هي، في عيون الآخرين، مجرد مرحلة من مراحل تطور العقل البشري.
ولم تعد باريس مدينة يسكنها؛ لقد أصبحت مدينة تسكنه.
عاد منها وفي داخله أكثر من شهادة. عاد ومعه عقل جديد، وذاكرة جديدة، وميزان جديد يقيس به الأشياء. ووجد في الشيوعية العلمية آنذاك جوابًا شاملاً عن الأسئلة التي كانت تتنازعه او تخطر على باله : تفسيرًا كاملا جامعا مانعا للتاريخ، ونظرية للمجتمع، وعدالةً يتصور أنها قادرة على تحرير الإنسان من الفقر والامتياز الموروث والاستغلال واطلاق طاقاته فى كل اتجاه دون قيد او حظر .
كان مؤمنًا بها إيمان من وصل للرؤية الاساسية للحقيقة القائمة على مركزية الانسان .
لكنه حين عاد إلى قومه أدرك أن الأفكار التي تبدو بسيطة في مدرجات الجامعات قد تصبح شديدة الخطورة حين تعبر حدود الكتب إلى مجتمع له ذاكرته ومخاوفه وتقاليده.
فلم يصطدم.
اختار الصمت حين كان الكلام مكلفًا، واختار التورية حين كان التصريح يفتح أبوابًا لا يريد فتحها. احتفظ بجزء من باريس في داخله، وارتدى في الخارج ثياب المجتمع الذي عاد إليه.
ثم عارض.
وكانت المعارضة في شبابه تعني بالنسبة إليه أن الحقيقة تستحق ثمنها.
لكن الزمن لا يختبر الأفكار فقط؛ إنه يختبر أصحابها.
تدرج الرجل في الدولة حتى بلغ مواقع رفيعة. وهناك بدأ الامتحان الأصعب. فقد اكتشف أن السلطة ليست مجرد مؤسسة ينبغي مقاومتها، وإنما عالم كامل من المصالح والمخاوف والامتيازات والضعف البشري. واكتشف، وهو الذي كان مستعدًا في شبابه لدفع ثمن الصدام، أن للحياة إغراءاتها، وأن رغد العيش يجعل الإنسان يعيد حساباته أحيانًا دون أن يشعر.
لم يتخل عن أفكاره دفعة واحدة.
كان التحول أبطأ من ذلك وأكثر تعقيدًا.
أصبح السؤال الذي يطارده: لماذا أصطدم بالحاكم إذا كان في وسعي أن أصل إلى عقله؟
وهكذا انتقل من مواجهة السلطة إلى محاولة اختراقها.
لم يعد يريد الدخول من الباب الذي يدخل منه الخصوم، وإنما من نافذة أقل ضجيجًا وأكثر أمانًا. صار يقترب من أصحاب القرار، يحدثهم، يؤثر فيهم، ويبحث عن مساحة تسمح لعقيدته القديمة أن تعيش في ثوب جديد.
ثم تبدلت الأحوال.
جاء زمن أصبح فيه الحكم العسكري يبحث عن صيغة مدنية تصالحية، وعن شخصية تستطيع أن تفتح الأبواب المغلقة، وتستوعب النقد، وتخفف من حدة المواجهة.
وكان الرجل قد أصبح يومها كهلًا نافذًا.
هنا تحقق أعظم اختراق في رحلته: لم يعد هو الذي يحاول التكيف مع السلطة؛ أصبحت السلطة نفسها قابلة للتشكل تحت تأثيره.
لقد مهد لذلك طويلًا. ساهم في إعادة صياغة صورة البلاد عن نفسها وعن محيطها، ودفع باتجاه رؤية تجعلها همزة وصل بين فضاءات مختلفة، لكن هذا الوصل لم يكن محايدًا في ميزان السياسة والثقافة؛ فقد ترتب عليه، في هذه القراءة، إعادة الاعتبار للثقافة الفرنسية بوصفها جسرًا إلى العالم، في الوقت الذي ضاق فيه المجال أمام التيارات العروبية التي لم تنسجم مع التصور الجديد للمرحلة.
وبالتوازي مع ذلك، برزت سياسة أخرى تقوم على المصالحة مع مكونات كانت تشعر بأن المجال الوطني لا يمنحها دائمًا المكان الذي تراه لنفسها، وعلى إعادة بناء الصلات الثقافية مع الفرنسيين، أصدقاء الأمس الذين عادوا هذه المرة في صورة شركاء في الثقافة والمعرفة.
وهكذا اكتملت الدائرة.
الشاب الذي ذهب إلى باريس ليكتشف العالم عاد وهو يريد تغييره؛ ثم اكتشف أن تغيير العالم أصعب من تغيير زاوية النظر إليه؛ ثم تعلم أن تغيير الحاكم قد يكون أقل كلفة من تغيير المجتمع؛ وانتهى إلى أن يصبح جزءًا من العقل الذي يحكم.
لم يكن انتصاره أن يجلس في كرسي الحكم.
كان انتصاره، في منطق هذه الشخصية، أن يجعل الكرسي يستمع إليه.
وبذلك قضى على العقبات التي كانت تعترض طريقه واحدة بعد أخرى: صدامه مع الماضي، ثم صدامه مع السلطة، ثم صدامه مع خصومه الفكريين من المنابر العروبية التى يناصبها العداء . أما باريس التي كان قد عاد منها ذات يوم، فلم تعد ماضيًا يريد الانفصال عنه؛ لقد عادت إليه في صورة ثقافة، ولغة، وصلات، ورؤية للعالم.
غير أن هذا الانتصار يترك سؤالًا لا يستطيع النفوذ أن يجيب عنه:
هل غيّر الرجل وطنه، أم أن الوطن هو الذي أعاد تشكيله حتى أصبح قادرًا على البقاء فيه؟
ولعل الجواب لا يوجد في السياسة وحدها.
ففي هذه البلاد التي تهب عليها الرياح من كل الجهات، يبقى نهر صنهاجة صورة أخرى للزمن. قد تتغير ضفافه، وتتبدل الوجوه التي تنظر إليه، وتفقد البيئة المحيطة به كثيرًا من ملامحها الأولى، لكنه لا يتوقف عن الجريان.
إنه لا يرفض التغيير، ولا يسمح للتغيير أن يمحو منبعه.
وهنا تكمن الحكمة التي عجز الرجل، رغم كل رحلاته، عن امتلاكها كاملة:
أن تصل إلى العالم دون أن تفقد الطريق إلى نفسك.
