
قد يبدو الحديث عن شخصية نسائية مغربية في لحظة تتزاحم فيها قضايا الأسعار والسكن والصحة والأمن الإقليمي ضربًا من الترف الفكري؛ غير أن التاريخ لا يُستعاد دائمًا لأن الحاضر يفتقر إلى القضايا، بل لأن بعض الوقائع القديمة تظل قادرة على إضاءة الحاضر. وربما لا يهتم بهذا النوع من الموضوعات إلا نفر قليل من الباحثين و المثقفين، لكن ذلك لا يلغي قيمته؛ فالعلاقات بين الشعوب لا تصنعها السياسة وحدها، وإنما تصنعها أيضًا الذاكرة المشتركة وما تختزنه من رموز ووشائج.
ومن هذه الزاوية تستوقفنا اليوم مسيرتان نسائيتان يفصل بينهما أكثر من ثلاثة قرون، وتجمعهما، على نحو رمزي وتاريخي، خلفية مغفرية: خناثة البركنية في تاريخ المغرب السلطاني، وفاطمة الدليمية في الدولة المغربية الحديثة.
1 ـ خناثة البركنية: من البراكنة إلى البيت العلوي
كانت خناثة بنت بكار من أولاد عبد الله في إمارة البراكنة، إحدى البيئات المغفرية المعروفة في جنوب غرب موريتانيا على تخوم نهر السنغال. وقد انتقلت قصتها من المجال الشنقيطي أو الموريتاني كما نسميها اليوم إلى قلب التاريخ المغربي حين تزوجت السلطان مولاي إسماعيل سنة 1678.
ولم تكن خناثة مجرد زوجة لسلطان؛ فقد عُرفت بالعلم والأدب وحضور الرأي، وأصبحت من الشخصيات النسائية البارزة في محيط الدولة العلوية. وهي أم السلطان مولاي عبد الله، ولذلك ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ الأسرة العلوية، وظلت حاضرة في الذاكرة المغربية بوصفها امرأة جمعت بين النسب والعلم والحضور في محيط الحكم، إلى أن توفيت رحمها الله سنة 1746.
وهنا تظهر دلالة شنقيطية مغربية قديمة لا تحتاج إلى مبالغة: فقد خرجت امرأة من بيئة مغفرية موريتانية لتدخل البيت السلطاني المغربي، وتصبح جزءًا من تاريخه.
2 ـ غزي الأركاب: حين كانت الصحراء مجالًا للتشاور
وبعد قرون، ظهرت صورة أخرى من صور التلاقي السياسي والقبلي بين المجالين الموريتاني والمغربي.
فقد كان «غزي الأركاب» الاسم الشعبي الذي أطلق على الوفود التي شاركت في المؤتمر الذي دعا إليه الشيخ ماء العينين في السمارة سنة 1906 للتشاور حول سبل تنسيق المقاومة ضد الوجود الاستعماري في غرب الصحراء.
وقد استجاب للدعوة عدد من الأمراء والوجهاء ورؤساء القبائل، وكان بينهم أمراء من الحوض وإدوعيش والبراكنة وآدرار، وترارزة ،؛ إلى جانب زعامات قبلية أخرى. وكان الشيخ ماء العينين في تلك المرحلة صاحب حضور علمي وروحي وسياسي كبير وهو بالمناسبة شنقيطي من الحوض الشرقي ، وكانت السمارة مجالًا للتشاور وتبادل الرأي في ظرف كانت فيه المنطقة تواجه تحولات استعمارية عميقة.
وهكذا بات «غزي الأركاب» صورة من صور التلاقي بين شمال المجال الصحراوي وجنوبه، في زمن لم تكن فيه الحدود السياسية الحديثة قد أخذت شكلها الحالي.
3 ـ من المقاومة إلى البحث عن الاستقلال
ومع دخول القرن العشرين مرحلة جديدة، أصبح المغرب بالنسبة إلى عدد من النخب الموريتانية قبلة للاحرار ، و مجالًا للنشاط السياسي والبحث عن الطريق إلى الاستقلال.
ومن أبرز الأسماء في تلك المرحلة أحمدو ولد حرمة ولد بابانا، الذي انتقل إلى المغرب وارتبط بنضال الاستقلال، وقاد جيش التحرير الموريتاني في العمل المسلح ضد الوجود الفرنسي، إلى جانب نشاطه السياسي والديبلوما سي والبرلماني المشهود .
وفي الفترة نفسها كان المغرب مقصدًا لعدد من الشخصيات الموريتانية التي تحركت من أجل مستقبل البلاد والاستقلال، لكل منها مساره وموقعه. ومن بينهم الأمير محمد فال ولد عمير أمير الترارزة، والدكتور محمد المختار ولد باه، والدَيّ ولد سيدي بابا وغيرهم.
وقد وجد هؤلاء في المغرب، في مراحل مختلفة، فضاءً سياسيًا وثقافيًا احتضن حضورهم؛ فتولى بعضهم مسؤوليات في الدولة المغربية، وارتبط بعضهم بالمؤسسات الإعلامية أو التشريعية، حتى أصبح عدد من الأسماء الموريتانية جزءًا من الحياة العامة المغربية في تلك المرحلة.
ولم تكن هذه الوقائع مجرد حالات فردية معزولة؛ فقد عكست عمق الروابط التي كانت تجعل المجالين الموريتاني والمغربي متداخلين في الوعي السياسي والثقافي، قبل أن ترسم الدولة الحديثة حدودها ومؤسساتها.
4 ـ من خناثة البركنية إلى فاطمة الدليمية
وهنا تكتسب المقارنة بين خناثة البركنية وفاطمة الدليمية معناها الرمزي.
فخناثة جاءت إلى البيت العلوي من بيئة مغفرية في موريتانيا، ثم أصبحت جزءًا من الأسرة السلطانية وكان لها حضور في محيط الحكم.
أما فاطمة الدليمية فتحضر في الدولة المغربية الحديثة من خلال مؤسساتها السياسية، وفي لحظة مختلفة تمامًا من تاريخ المغرب والدولة الوطنية.
ولا ينبغي أن نحول التشابه إلى أكثر مما يحتمل؛ فالمقارنة ليست في طبيعة السلطة ولا في الظروف التاريخية، وإنما في أن امرأتين مغفريتين ظهرتا، كل واحدة في عصرها، داخل مسار الدولة المغربية.
إنها استمرارية في الذاكرة، لا في السلطة؛ وتشابه في الجذر الرمزي، لا في طبيعة الدور.
وإذا كانت خناثة البركنية قد عبرت، قبل أكثر من ثلاثة قرون، من فضاء البراكنة إلى البيت العلوي، فإن حضور فاطمة الدليمية في الدولة المغربية الحديثة يعيد، بصورة مختلفة تمامًا، فتح صفحة من ذلك التاريخ البعيد الذي لم تكن فيه الصلات بين موريتانيا والمغرب مجرد علاقات جوار جغرافي.
5 ـ ذاكرة تتجاوز الحدود
إن قراءة هذه الصفحات لا تعني استدعاء الماضي لإسقاطه على الحاضر، ولا البحث عن شرعية سياسية معاصرة في وقائع تاريخية بعيدة؛ وإنما تعني شيئًا أبسط وأعمق: أن العلاقات بين موريتانيا والمغرب لها جذور أقدم من الدول الحديثة وحدودها السياسية.
ففيها نسب مشترك، وطرق صوفية، ورحلات علمية، وتجارة، ومصاهرات، ومقاومة، ونشاط سياسي، ثم علاقات دبلوماسية ومؤسساتية نشأت مع قيام الدولتين الحديثتين.
ومن هذه الزاوية تبدو خناثة البركنية، وغزي الأركاب، وأحمدو ولد حرمة ولد بابانا، ومحمد فال ولد عمير، ومحمد المختار ولد باه، والدَيّ ولد سيدي بابا، وغيرهم، حلقات مختلفة في ذاكرة طويلة لا يمكن اختزالها في حدث واحد أو شخصية واحدة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة مزيدًا من التواصل بين البلدين، في ظل العلاقة القائمة بين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والملك محمد السادس، وتنامي التعاون في عدد من الملفات الثنائية.
ولعل أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه هذه الحكاية أن التاريخ، حين يُقرأ بهدوء، لا يفرض على الحاضر طريقًا بعينه، لكنه يذكّرنا بأن بين موريتانيا والمغرب روابط قديمة، وأن حسن الجوار والمصالح المتبادلة قادران على أن يمنحاها في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والملك محمد السادس صورة جديدة أكثر انتظامًا واتساعًا.
