هل جاء الإسلام بجديد؟ ثمانية اعتراضات بين التاريخ والعقل والوحي

تنتشر في زماننا أسئلة وتشكيكات لا تتناول الإسلام وحده، بل تمتد إلى أصل الأديان التوحيدية نفسها، وترد في بعض الأحيان بلغة تبدو علمية أو تاريخية، بينما تنتقل في أحيان أخرى إلى المجال الفلسفي والوجودي، حتى أصبح بعض الشباب يواجه الدين لا من خلال كتبه وعلمائه، وإنما من خلال شبهات مختصرة تتكرر حتى تكتسب في الذهن قوة البرهان.
ولست أزعم أنني من المتخصصين في تاريخ الأديان المقارن، ولا في تاريخ الحضارات القديمة، وإنما دفعني انتشار هذه الشبهات إلى تناولها من زاوية أقدر عليها: هل تكفي مقدمات الدعوى لإثبات نتائجها؟ وهل يجوز أن نحول التشابه إلى سرقة، والاحتمال إلى يقين، وأدوات التاريخ إلى حكم في مسائل الوحي والغيب؟
وقصدي قبل كل شيء تنبيه المفكرين وعلماء المسلمين إلى أن ترك هذه الأسئلة بلا معالجة جادة قد يجعل تكرار الشبهة في أذهان الأجيال يقوم مقام الدليل، مع أن الفرق بين السؤال والبرهان هو أول ما ينبغي أن يتعلمه الباحث عن الحقيقة.
1 ــ «الإنسان من طين» فكرة سابقة على الإسلام
يقال إن تصور خلق الإنسان من الطين معروف في حضارات وادي الرافدين قبل الإسلام، ومن ثم فليس في القرآن جديد.
والجواب المنطقي أن سبق الفكرة في مدونة بشرية لا يثبت مصدر الفكرة في القرآن. فالسبق الزمني يثبت السبق الزمني فقط، ولا يثبت علاقة الاقتباس إلا إذا قامت بينهما قرائن أخرى: طريق انتقال، أو مصدر معلوم، أو وسيط تاريخي، أو تطابق لا يفسره الاشتراك في المعنى الإنساني العام.
ثم إن المسألة ليست في لفظة «الطين» وحدها، وإنما في البناء الذي أقامه القرآن حول الإنسان: خلق، وتسوية، ونفخ، وتكريم، واستخلاف، وتكليف، ومسؤولية، وابتلاء، ومآل.
فقد تتشابه صورة جزئية، بينما يختلف المعنى الذي تنتظم فيه الصورة اختلافاً جذرياً.
2 ــ قصة الطوفان وملحمة جلجامش
يقال إن قصة الطوفان أقدم حضوراً في المرويات الرافدية، وإن التشابه بينها وبين قصة نوح عليه السلام يدل على أن القرآن أخذها من تلك المرويات.
وهنا أيضاً لا تكفي المشابهة.
فالطوفان من أقدم الأسئلة التي واجهت الإنسان: الماء الذي يهب الحياة يمكن أن يتحول إلى قوة هدم، ونجاة القلة من الكثرة، وابتداء العالم من جديد. ومن الطبيعي أن تتعدد الروايات حوله في الحضارات القديمة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد رواية أقدم؟ بل: هل ثبت أن القرآن أخذ روايته منها؟
ثم إن القرآن لا يقدم الطوفان بوصفه حكاية أسطورية عن أبطال وآلهة متصارعة، وإنما يضعه في بنية التوحيد والنبوة والمسؤولية والاختيار والعاقبة.
فإذا كان التشابه دليلاً على الاقتباس، لزم أن يكون كل نص لاحق اقتبس كل فكرة سبقه إليها نص آخر. وهذا ليس بحثاً تاريخياً، بل قفزة من التشابه إلى السببية.
3 ــ إبليس والزرادشتية
ويقال إن فكرة إبليس الرافض للسجود لآدم ذات أصل زرادشتي، وأن الإسلام نقل التصور الفارسي عن الشر.
لكن المقارنة الدقيقة تكشف أن التشابه هنا أضعف مما توحي به العبارة.
فالشر في التصور الزرادشتي ارتبط ببنية كونية ثنائية لها خصوصيتها، بينما إبليس في القرآن مخلوق من خلق الله، ليس إلهاً مقابلاً لله، ولا قوة أزلية تنازعه الملك؛ عصى، فاستحق اللعنة، وأُمهل، ويعمل في دائرة محدودة، ولا يخرج عن سلطان الله.
إن تشابه وجود شخصية شريرة أو متمردة لا يساوي تشابه العقيدة التي تقوم عليها الشخصية.
والفارق بين «قوة شر كونية تقابل قوة الخير» وبين «مخلوق عاصٍ داخل عالم التوحيد» ليس تفصيلاً، بل فارق في أصل التصور.
4 ــ الجنة والنار والصراط والميزان
ويقال إن الجنة والنار والصراط والميزان وأحوال الآخرة ذات جذور فارسية، وإن الإسلام لم يفعل إلا إعادة صياغة التصورات الإيرانية القديمة.
وهذا باب مشروع للدراسة المقارنة، لكن الدراسة ليست حكماً مسبقاً.
فوجود تصورات أخروية في ثقافات سابقة لا يثبت أن القرآن اقتبسها منها، كما أن تشابه صورة «الجسر» أو «الحساب» لا يثبت وحدة المصدر.
والأهم أن التصور القرآني للآخرة جزء من منظومة متكاملة: توحيد، وتكليف، ومسؤولية، وعدل، وبعث، وحساب، وثواب وعقاب. فلا يصح اقتطاع صورة منفردة من منظومة عقدية ثم اعتبارها دليلاً على أصل المنظومة كلها.
إن علم التاريخ يستطيع أن يبحث في إمكان الاتصال بين الحضارات وانتقال الأفكار، لكنه لا يستطيع أن يقفز من التشابه إلى النتيجة من غير بينة على الانتقال.
5 ــ «الإسلام جمع الأساطير ونسبها إلى الله»
هذه هي الصيغة الأكثر شيوعاً وخطورة؛ لأنها تبدأ من حقيقة جزئية ثم تبني عليها حكماً كلياً.
نعم، توجد في التراث الإنساني القديم روايات وصور تتقاطع مع بعض الموضوعات القرآنية. لكن من أين يلزم أن القرآن جمعها ونسبها إلى الله؟
حتى يثبت ذلك، لا بد من الإجابة عن أسئلة محددة:
من أي مصدر أخذ؟ وكيف وصل إليه؟ ومن كان الوسيط؟ وبأي لغة؟ وفي أي زمن؟ وكيف اجتمعت المواد المتفرقة في بناء واحد؟ وكيف تحولت روايات مختلفة إلى منظومة عقدية وأخلاقية وتشريعية متماسكة؟
فالاحتمال ليس دليلاً، والتشابه ليس بالضرورة اقتباساً، ووجود مادة سابقة لا يثبت أن المادة اللاحقة استمدت منها.
بل يمكن منطقياً تصور أكثر من تفسير للتشابه: انتقال مباشر، أو تراث شفهي مشترك، أو بقايا ذاكرة دينية أقدم، أو تقارب في الأسئلة الإنسانية الكبرى، أو غير ذلك.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: أي تفسير يستطيع أن يفسر مجموع الظاهرة بأقل قدر من الافتراضات؟
6 ــ خصوصية النبي ﷺ وبيئته: هل يكفي افتراض التأليف البشري؟
هنا تبلغ المسألة عمقها.
إذا قيل إن القرآن من تأليف محمد ﷺ، فلا يكفي أن يقال: كان ذكياً، أو كان محيطه يحتوي على بعض اليهود والنصارى، أو كانت الجزيرة العربية على اتصال بغيرها.
فالجزيرة العربية لم تكن جزيرة معرفية مغلقة، ومكة كانت على صلة بالأسفار والتجارة، وهذا ينبغي الاعتراف به. لكن الاعتراف بإمكان الاتصال لا يساوي إثبات التلقي.
لقد ظهر القرآن في مجتمع يغلب عليه الحفظ والمشافهة، ولم يكن النبي ﷺ معروفاً قبل الرسالة بمدرسة علمية أو مشروع بحثي في تاريخ الأديان والفلسفة والكون والإنسان، ثم ظهر هذا النص في سياق دعوة امتدت أكثر من عشرين عاماً، وتداخل فيها التشريع والعقيدة والأخلاق والقصص والجدل والعبادة والنظر في الإنسان والكون والمصير.
ولا يصح أن نقول إن تأليفه «مستحيل رياضياً»؛ فالتاريخ لا يُحسم بهذه الصيغة. لكن يصح أن نقول إن فرضية التأليف البشري تصبح مطالبة بتفسير عدد متزايد من الظواهر كلما حاولت تفسير القرآن كله لا بعض مقاطعه.
إنها مسألة في قوة التفسير وكلفته، لا في إمكان التلفيق اللفظي.
فلو كان القرآن مشروعاً بشرياً مركباً من مواد سابقة، فإن الفرضية مطالبة بأن تفسر: مصادر تلك المواد، وطريق وصولها، وطريقة جمعها، ووحدة بنائها، وامتدادها الزمني، وقوة تأثيرها، ثم قدرتها على إنتاج منظومة تتجاوز بيئتها الأولى وتستمر قروناً.
وهنا لا يعود السؤال: «هل يستطيع الإنسان أن يؤلف نصاً عظيماً؟» فهذا ممكن من حيث الأصل. وإنما السؤال الأصعب: هل يفسر التأليف البشري وحده هذه الظاهرة كلها تفسيراً كافياً؟
7 ــ هل جمّد الإسلام العقل؟
ويقال إن الإسلام نقل الإنسان من مرحلة إنتاج الأسطورة إلى مرحلة حراستها، وإنه أغلق باب العقل.
وهذه دعوى لا تصمد أمام التاريخ الإسلامي نفسه.
فالإسلام أنشأ تقاليد واسعة في النظر والكلام والأصول والفقه والفلسفة واللغة والطب والفلك والحساب، واختلف علماؤه وتجادلوا، بل جعل القرآن نفسه النظر والتدبر والاعتبار والحجة من أبواب الخطاب الديني.
لكن الموقف الإسلامي، وخصوصاً في الصياغة الكلامية الأشعرية، لا يجعل العقل إلهاً بديلاً عن الوحي، ولا يجعله عاجزاً أمام الوحي. بل يعطيه مجاله وحدوده.
العقل آلة نظر، والوحي خبر عن ما لا يستقل العقل بإدراكه.
فالخطأ ليس في استعمال العقل، وإنما في تحميله ما لا يدخل في مجاله. كما لا يُطلب من العين أن تسمع، لا يُطلب من العقل التجريبي أن يحيط بذات الله أو بحقيقة الغيب.
وهذا ليس إلغاءً للعقل، بل تمييزاً بين مجالات المعرفة.
وفي التصوف السني يضاف إلى ذلك أن المعرفة ليست معلومات مجردة؛ فالإنسان قد يعرف الشيء ببرهان، ثم لا يذوق معناه في نفسه. ومن هنا كانت الهداية في التصوف انتقالاً من معرفة الخبر إلى حضور أثره في القلب، من غير أن تتحول التجربة الروحية إلى مصدر تشريع مستقل عن الوحي.
8 ــ «الإسلام دين ميت يجعل الإنسان يعيش ملحمة غيره»
هذه عبارة فلسفية أكثر منها برهاناً.
فكل إنسان يعيش داخل ميراث لم يصنعه بنفسه: اللغة التي يتكلمها، والقوانين التي تحكمه، والمعارف التي ورثها، والفلسفات التي سبقته، وحتى أدوات العلم التي يستخدمها اليوم.
فليس السؤال: هل نعيش في ميراث سابق؟ وإنما: هل الميراث قيد يمنع العقل من الحركة، أم نقطة بدء يعيد الإنسان منها بناء علاقته بالوجود؟
الإسلام لم يطلب من الإنسان أن يعيش في القرن الأول زمناً، وإنما أن يعيش في كل زمان تحت معنى التوحيد والمسؤولية والعبودية لله.
أما القول بأن الإسلام يحتكر الحقيقة ويجعل كل مخالف مستحقاً للإزالة، فهو أيضاً يحتاج إلى تفصيل. فالإسلام يقرر لنفسه دعوى حق دينية واضحة، لكنه لا يجعل مجرد الاختلاف العقدي حكماً آلياً على الناس بالقتل.
والتمييز هنا ضروري بين الحكم على الفكرة في ميزان العقيدة، والحكم على الإنسان في ميزان الدنيا والقانون والعلاقات.
ومن الخطأ في الاتجاهين أن نقرأ الإسلام بلغة حديثة فننزعه من نصوصه وأحكامه، أو أن نقرأه قراءة صدامية تجعل كل مخالف عدواً مباحاً.
بين التاريخ والعقل والوحي
المشكلة الأساسية في هذه الاعتراضات ليست أنها تطرح أسئلة، فالأسئلة لا تخيف الحقيقة؛ وإنما المشكلة أن بعضها ينتقل من مقدمة صحيحة إلى نتيجة لا تلزم عنها.
وجود فكرة قبل الإسلام لا يثبت أن الإسلام أخذها منها.
وجود تشابه لا يثبت وحدة المصدر.
إمكان الاتصال لا يثبت وقوع النقل.
وجود تفسير بشري ممكن لا يثبت أنه التفسير الصحيح.
وعجز العلم التجريبي عن إثبات الغيب أو نفيه لا يجعل الغيب وهماً، كما أن الإيمان بالغيب لا يعفي المؤمن من استعمال العقل فيما يدخل تحت سلطان العقل.
وهنا ينبغي أن يكون الفاصل واضحاً: التاريخ يدرس ما وصل إلينا في الزمن، والعقل يفحص التماسك وطرق الاستدلال، أما الوحي فيتعلق بمصدر للمعرفة يتجاوز الإنسان، فلا يجوز إخضاع أحد هذه المجالات لقواعد مجال آخر.
ومن هنا أيضاً لا ينبغي للمؤمن أن يخاف من البحث التاريخي، ولا للباحث أن يتوهم أن أدواته التاريخية تمنحه سلطة على ما وراء التاريخ.
خاتمة: سؤال البقاء
ويبقى بعد كل هذه الاعتراضات سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الأصول:
لو كان القرآن والإسلام مجرد بناء بشري أو كذبة تاريخية، فكيف أمكن لهذه الدعوى أن تعبر أربعة عشر قرناً، وأن تبقى حية في عقول وضمائر أجيال لا تحصى، وأن تتمدد خارج بيئتها الأولى، بينما كانت البشرية تنتقل من عصر إلى عصر، ومن الأسطورة إلى العلم، ومن المشافهة إلى المختبر، ومن عالم محدود إلى كون مفتوح بالمعرفة والتقنية؟
ليس طول العمر وحده برهاناً على الحقيقة؛ فالباطل قد يطول بقاؤه. ولكن البقاء ظاهرة تحتاج إلى تفسير، ولا يكفي وصفها بأنها مجرد أثر للخوف أو العادة أو التلقين.
فالإسلام لم يعش في فراغ معرفي، بل واجه عبر القرون الفلسفة والعلوم والنقد والتحولات الحضارية، ومع ذلك لم ينته بانتهاء العصر الذي ظهر فيه، بل ظل يعيد طرح أسئلته الكبرى في أزمنة لم تعد تشبه زمن ظهوره.
ومن هنا فإن السؤال الأعمق ليس: هل وجدت قبل الإسلام أفكار تشبه بعض ما جاء به؟ فهذا أمر لا يكاد يخلو منه تاريخ الأديان. وإنما السؤال: هل تكفي تلك التشابهات لتفسير القرآن والإسلام تفسيراً بشرياً؟ أم أن وحدة البناء، وعمق الرؤية، واستمرار الأثر، وقدرة الرسالة على تجاوز شروط زمانها ومكانها، تجعل فرضية الوحي تفسيراً جديراً بأن يؤخذ في الحساب؟
قد يختلف الناس في الجواب، ولكن ليس من المنهج أن يتحول التشابه إلى إدانة، ولا أن يتحول الشك إلى يقين لمجرد أنه شك.
ولعل أعجب ما في القرآن، بعد هذه القرون كلها، أنه لا يزال يضع الإنسان أمام السؤال الذي وضعه أمام الإنسان الأول:
من أين جئت؟ وإلى أين أمضي؟ وما معنى وجودي؟ وهل هذا الكون بلا غاية، أم أن وراءه حكمة وحساباً؟
وهنا، في نهاية المطاف، لا يعود السؤال: هل صمد الإسلام أمام الزمن؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل يملك التفسير البشري وحده ما يكفي لتفسير هذا النص، وهذه التجربة، وهذا التاريخ، وهذا الأثر، وهذا البقاء؟
وربما كان ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه البحث، لا أن ينتهي عنده.