موريتانيا أولاً :

بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، ما تزال موريتانيا تفتقر إلى إجابة إحصائية حاسمة عن سؤال يبدو بسيطاً: ما هي تركيبتها السكانية الحقيقية؟
ليست المشكلة في أن يكون هذا المكوّن أكثر عدداً أو ذاك أقل؛ فالمواطنة لا تُقاس بالحساب العددي. المشكلة أن دولة حديثة لا تستطيع أن تبني سياساتها في الهوية واللغة والتعليم والتمثيل والتنمية والهجرة والتجنيس، وهي لا تملك صورة ديموغرافية دقيقة وشفافة عن نفسها.
وقد يكون وراء هذا الصمت خشية حقيقية من أن يؤدي كشف بعض المعطيات إلى توترات تمس الأمن والسكينة. لكن الدولة التي تخشى الحقيقة تحتاج إلى مؤسسات أقوى تستوعبها، لا إلى إبقائها مجهولة.
ومن هنا تصبح عبارة «موريتانيا أولاً» أكثر من شعار: أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في حدودها وجنسيتها وسياساتها السكانية، وأن تكون مصلحة المواطن الموريتاني نقطة الانطلاق، مع احترام حقوق جميع المواطنين وعدم تحويل الاختلاف الاجتماعي إلى صراع عرقي.
فالمنطقة المحيطة بنا تتحرك بسرعة. واضطرابات الساحل قد تفتح مستقبلاً سيناريوهات نزوح جديدة من أزواد أو النيجر أو غيرهما، كما قد تفرض تحولات المجال الصحراوي حركات سكانية نحو موريتانيا. وليس من الحكمة تقديم هذه الاحتمالات كوقائع قبل حدوثها، لكن من الحكمة أن تستعد لها الدولة.
وقد ينظر بعض البيظان إلى انتقال جماعات مرتبطة تاريخياً وثقافياً بالمجال البيظاني نحو موريتانيا نظرة تختلف جذرياً عن نظرة الدولة إلى الهجرة الأجنبية العادية. لكن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تدير المستقبل بالانتماء وحده؛ عليها أن تعرف من يدخل، ومن يقيم، ومن يحمل جنسيتها، وما أثر كل تحول سكاني في مواردها وأمنها وخدماتها.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: إذا كانت الدولة قد تتحفظ عن كشف بعض الحقائق الديموغرافية خشية اضطراب السكينة، فإن عليها في المقابل أن تدرك أن العالم يتجه إلى عصر تصبح فيه المعلومات أكثر انتشاراً وأقل قابلية للاحتكار.
فالذكاء الاصطناعي لا يتطور في خط مستقيم؛ بل يشهد قفزات متلاحقة، وقد تصبح الأنظمة القادمة قادرة على جمع بيانات متفرقة وربطها وتحليلها واكتشاف أنماط يعجز الإنسان عن رؤيتها. ولا نعرف اليوم إلى أي حد ستصل هذه القدرة، ولا ما إذا كانت ستظل دائماً ضمن الحدود التي ترسمها الشركات والمختبرات التي تطورها.
لكن مجرد احتمال بلوغ هذه المرحلة يطرح على موريتانيا سؤالاً بالغ الدلالة:
ماذا لو سبق الذكاء الاصطناعي الدولة الموريتانية إلى معرفة موريتانيا؟
قد يأتي يوم لا تحتاج فيه الحقيقة الديموغرافية إلى أن تعلنها الدولة؛ فقد يكشفها العالم الرقمي من خلال ملايين البيانات المتناثرة في الفضاء العام، فيعيد تركيب صورة سكانية لا تستطيع الدولة إنكارها ولا التحكم في توقيت ظهورها.
وحينئذ قد يكون السيف قد سبق العذل.
لذلك فإن أفضل وسيلة لتجنب مفاجأة المستقبل ليست إخفاء الحقيقة، وإنما معرفتها قبل أن يكشفها غيرنا.
ومن هنا يصبح تعزيز الشرطة والحرس وحماية الحدود جزءاً من بناء دولة قوية، لا بديلاً عن المعرفة. كما يصبح بناء عقيدة وطنية راسخة عنوانها «موريتانيا أولاً» ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الظرفية: موريتانيا أولاً في أمنها، وفي مواردها، وفي جنسيتها، وفي تخطيطها، وفي معرفة سكانها، وفي حق مواطنيها جميعاً في دولة عادلة.
إن «موريتانيا أولاً» لا تعني موريتانيا ضد أحد، ولا تعني إنكار الروابط التاريخية والثقافية التي تتجاوز الحدود؛ وإنما تعني أن تكون موريتانيا صاحبة المعرفة الأولى بنفسها، وصاحبة القرار الأول في مستقبلها.
فالدولة التي تعرف نفسها لا تخاف الحقيقة، والدولة التي لا تعرف نفسها قد يأتي يوم يعرفها فيه الآخرون قبل أن تعرف هي نفسها.