السرديات الموروثة وأثرها في الوعي والقرار الموريتاني

ثمة سرديات نشأت في المرحلة الاستعمارية، ثم انتقلت بعد الاستقلال إلى النخبة والدولة، ولم تخضع، بالقدر الكافي، لإعادة الفحص والمراجعة التي تقتضيها مرحلة الاستقلال. ومع الزمن، لم تعد هذه السرديات مجرد روايات عن الماضي، بل تحولت إلى مقدمات فكرية بُنيت عليها تصورات عن هوية موريتانيا، وموقعها الجغرافي، ولغتها، وعلاقاتها الخارجية، وحتى خياراتها السياسية والتنموية.
ومن أخطر هذه السرديات أنها قدمت موريتانيا بوصفها كيانًا نشأ في منطقة تماس بين مجالين بشريين وثقافيين مختلفين، وأن وظيفتها الاستعمارية كانت تأمين الاتصال بين المجال الفرنسي في الجزائر، يوم كانت مستعمرة، والمجال الفرنسي في السنغال.
ومن هذه الوظيفة نشأت، أو على الأقل تعززت، صورة موريتانيا باعتبارها همزة وصل بين العرب والزنوج.
لكن هذه النتيجة، التي ينبغي أن تُدرس في سياقها التاريخي، لم تُراجع بعد الاستقلال بما يكفي، وإنما تسربت إلى الخطاب الوطني حتى كادت تتحول إلى تعريف للبلاد نفسها. وهنا حدث الانتقال الخطير: من وصفٍ لواقع جغرافي وسياسي في مرحلة معينة، إلى تصورٍ دائم لهوية الدولة وموقعها.
وبالمنطق نفسه، جرى تقديم موريتانيا في بعض الأدبيات السياسية بوصفها دولة متعددة الأعراق، تتجه جنوبًا نحو نهر السنغال، بينما تفصلها شمالًا الصحراء الكبرى عن الجزائر. وفي بعض الأدبيات اليسارية الماركسية اتخذ هذا التصور صورة أكثر حدة، فشُبهت موريتانيا بغطاء إناء مقلوب، ضيقٌ في أعلاه المواجه للصحراء، ومتسعٌ في أسفله المواجه للجنوب، وكأن الجغرافيا نفسها تنطق بحكم سياسي على اتجاه البلاد ومجالها الحيوي.
وهكذا لم تعد الجغرافيا مجرد حقيقة طبيعية، بل تحولت إلى حجة لتفسير الهوية وتحديد الاتجاه.
وفي قضية اللغة، ترسخت سردية أخرى جعلت الفرنسية لغة الإدارة والعمل والحداثة، بينما اختزلت العربية في لغة التراث والشعائر الدينية، وكأن نشأتها في بيئة بدوية تجعلها عاجزة عن حمل متطلبات الحضارة الحديثة.
وبذلك تحولت مسألة اللغة من قضية وظيفية يمكن تنظيمها وفق حاجات الدولة، إلى قضية هوية وصراع على المستقبل.
وفي السياق ذاته، جرى التعامل مع تدوين بعض اللهجات الإفريقية بالحرف اللاتيني باعتباره خيارًا ذا دلالة حضارية، حتى بدا أحيانًا أن إثبات الانتماء الإفريقي يحتاج إلى أدوات رمزية تبتعد عن المجال العربي، بدل أن يكون الانتماء إلى إفريقيا حقيقة جغرافية وتاريخية لا تحتاج إلى إثبات بالقطيعة مع مكون آخر من مكونات الهوية.
وفي المجال الاقتصادي، ورثنا كذلك سردية موريتانيا البلد الذي لم يترك له الاستعمار بنية تحتية تستجيب لمتطلبات الحياة الحديثة، فكان من نتائج ذلك البحث عن حلول لنقص اليد العاملة، ومنها تشجيع الهجرة من بلدان الساحل الإفريقي.
أما في المجال السياسي والديموغرافي، فقد فرضت الدعوة التي سبقت الاستقلال إلى اعتبار موريتانيا امتدادًا للمملكة المغربية تحديًا كبيرًا على الدولة الناشئة، فكان ردها البحث عن وسائل تؤكد خصوصية الكيان الموريتاني وتحصنه ديموغرافيًا وسياسيًا. ومع مرور الزمن، تحولت بعض الإجراءات التي فرضتها تلك اللحظة التاريخية إلى عناصر ثابتة في تصور الدولة لتركيبتها وهويتها.
ثم تأتي السردية الأعمق أثرًا: موريتانيا أرض بلا سكان، أو أرض السيبة، وأن الاستعمار هو الذي أعاد ترتيبها، ولولاه لما كانت دولة اليوم.
وهذه ليست مسألة تاريخية بسيطة؛ لأن قبولها دون تفكيك يترتب عليه تصور بالغ الخطورة: أن الدولة الحديثة هي هبة استعمارية، وأن ما قبل الاستعمار لم يكن إلا فراغًا ينبغي أن يملأه المستعمر.
وبذلك يُختزل تاريخ طويل من المجتمعات والحواضر والقبائل والإمارات ومراكز العلم والتجارة والطرق الصوفية في مفهوم واحد هو «السيبة»، ويُختزل قيام الدولة الحديثة في فعل المستعمر وحده.
ومن هذه المقدمة يمكن أن تتولد، بصورة طبيعية، نظرة خاصة إلى العلاقة مع فرنسا، قوامها أن موريتانيا مدينة لها بوجودها الحديث، وأن هذه المديونية التاريخية ينبغي أن تبقى حاضرة في حسابات الدولة.
وفي قضية الهوية، ظهرت كذلك سردية تقول إن ربط موريتانيا بالإسلام لم يكن تعبيرًا عن واقع تاريخي واجتماعي راسخ، بقدر ما كان وسيلة لإيجاد عنوان جامع يحل محل العروبة أو يخفف من حضورها، في مرحلة كانت فيها العروبة، في الحسابات الاستراتيجية الغربية، تحمل دلالات سياسية أكثر حساسية.
وهكذا تراكمت سرديات متفرقة، لكنها التقت في نتيجة واحدة: أن موريتانيا ظلت تبحث عن تعريف لنفسها بين الآخرين أكثر مما بحثت عن تعريف ينبع من تاريخها ومجتمعها ومصالحها.
ومن علامات الحيرة: غياب الصورة الإحصائية الحاسمة
ولعل أكثر المظاهر إثارة للحيرة أن الدولة الموريتانية، منذ الاستقلال إلى اليوم، لم توفر — في حدود ما هو معلن ومتداول — أساسًا إحصائيًا حاسمًا يمكن أن يُبنى عليه تصور واضح للتركيبة الإثنية والعرقية للبلاد.
وبدل أن تمتلك الدولة أرقامًا دقيقة تجيب بوضوح عن سؤال: من نحن؟ وكم يمثل كل مكوّن من مكونات المجتمع؟ ظل الحديث عن الهوية يدور في كثير من الأحيان داخل دائرة التقديرات والانطباعات والتجاذبات السياسية.
وهذا الغياب ليس تفصيلًا إحصائيًا صغيرًا؛ لأنه يجعل الدولة تتحدث عن مجتمعها من دون أن تمتلك، في المجال العام، المرآة الرقمية التي تعكس تركيبته.
والأكثر إثارة للتساؤل أن التعامل مع البيظان بوصفهم أغلبية سكانية ظل موضوعًا شديد الحساسية، وكأن مجرد الاعتراف بالأغلبية العددية قد يفتح بابًا سياسيًا ينبغي إغلاقه. وإذا كان من حق الدولة أن تتحفظ على استعمال الأرقام لإقصاء الأقليات أو الانتقاص من حقوقها، فإن ذلك لا يبرر تحويل الحقيقة الديمغرافية — إن أثبتها الإحصاء — إلى حقيقة ممنوعة من التداول.
فالدولة الحديثة لا تخشى أرقامها؛ بل تحتاج إليها لكي تعرف نفسها.
والدول لا تفقد تعددها لأنها تعترف بمكوّنها السكاني الأكبر. مالي، مثلًا، تحمل اسم أكبر مكون قومي فيها، قومية بنبارا والسنغال ارتبط اسمها تاريخيًا بمكوّن الولوف، كما أن دولًا إفريقية أخرى حملت أسماء مكونات أو جماعات غالبة دون أن يعني ذلك إلغاء بقية مواطنيها.
المسألة إذن ليست في أن تكون الدولة عربية أو إفريقية، ولا في أن تمنح مكوّنًا حقًا على حساب آخر؛ وإنما في أن تعرف الدولة أولًا ما هي الحقيقة الديمغرافية التي تتحدث عنها.
فحين تغيب الأرقام، تصبح الهوية موضوعًا للتأويل السياسي؛ وحين تصبح الهوية موضوعًا للتأويل السياسي، يصبح الخلاف حولها مفتوحًا بلا نهاية.
وهكذا يتحول نقص المعلومة إلى جزء من المشكلة نفسها، وتتحول الحيرة من مرحلة مؤقتة في بناء الدولة إلى حالة مزمنة.
من السردية إلى الحيرة
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه السرديات، ولا في أن بعضها قد يحتوي على جانب من الحقيقة؛ وإنما في أنها لم تُراجع مراجعة جذرية بعد الاستقلال، فتحولت من تفسيرات تاريخية مرتبطة بظروف نشأتها إلى مسلمات تُستعمل لتفسير الحاضر.
ومن هنا بدأت آثارها تظهر في الوعي السياسي.
فإذا كانت موريتانيا همزة وصل بين مجالين، فمن الطبيعي أن يبقى السؤال: إلى أيهما تنتمي؟
وإذا كانت العربية لغة تراث، والفرنسية لغة عمل وحداثة، فمن الطبيعي أن يبقى السؤال: أي لغة ينبغي أن تحمل المستقبل؟
وإذا كان موقع البلاد بين الصحراء والساحل هو المحدد الأساسي لهويتها، فمن الطبيعي أن يبقى السؤال: أين يقع مجالها الحيوي؟
وإذا كان الاستعمار هو الذي صنع الدولة، فمن الطبيعي أن تبقى العلاقة مع فرنسا محكومة، ولو جزئيًا، بإحساس تاريخي بالمديونية.
وهكذا لم تعد الحيرة نتيجة غياب المعلومات، وإنما أصبحت نتيجة تعدد الروايات التي لم نحسم علاقتنا بها.
وهذا هو أثر السردية حين تتحول إلى مسلمة: أنها لا تحتاج بعد ذلك إلى من يدافع عنها؛ يكفي أن تصبح جزءًا من طريقة التفكير.
فتنشأ دولة مستقلة سياسيًا، لكنها لا تزال تتردد في تعريف موقعها الثقافي والجغرافي والاستراتيجي؛ دولة تتعامل مع هويتها كما لو كانت ملفًا مفتوحًا على الخارج، لا حقيقة تاريخية تستطيع أن تنطلق منها إلى الخارج.
وهنا يتصل الأمر باستقلال القرار.
فالقرار المستقل لا يبدأ عند لحظة اتخاذ القرار، وإنما يبدأ من الصورة التي تكونها الدولة عن نفسها.
ومن لا يملك تعريفًا واضحًا لذاته، يصعب عليه أن يحدد بوضوح ما يريد، وما لا يريد، ومن أين تأتي مصالحه، وأين تنتهي حدود التنازل المشروع.
ولهذا فإن مراجعة هذه السرديات ليست ترفًا فكريًا، ولا معركة مع الماضي، وإنما هي جزء من استكمال الاستقلال نفسه.
لقد خرج المستعمر من الأرض، وبقيت بعض خرائطه في العقول.
والاستقلال الحقيقي لا يكتمل بمجرد أن نرث الدولة من المستعمر، بل عندما نمتلك نحن القدرة على إعادة تفسيرها، وتحديد موقعها، وصياغة مصالحها، وكتابة تاريخها بأعينها هي.
فالدولة التي تستعير تعريفها من غيرها، قد تمتلك السيادة على أرضها، لكنها تظل في حاجة إلى استكمال سيادتها على صورتها عن نفسها.
وهنا تبدأ، في تقديري، المعركة الحقيقية مع السرديات الموروثة.