
دردشة هادئة حول السكان الأصليين وهوية الوطن
دفعني الفضول، وأنا أحتسي شاي الصباح، إلى تتبع تاريخ السكان الأصليين لموريتانيا؛ هذا البلد الذي عرف عبر تاريخه أسماء متعددة، كما لم يستقر الجدل حول هويته الحضارية على تسمية واحدة.
بلاد الملثمين، أرض المرابطين، المنارة والرباط، المنكب البرزخي، المغرب الأقصى، بلاد المغافرة، شنقيط، وأخيرًا موريتانيا، الاسم الذي جاء مع الاحتلال الفرنسي.
وكما تعددت الأسماء، بقي السؤال عن السكان وهوية البلاد مفتوحًا على البحث والتأمل.
ولست بصدد كتابة بحث تاريخي بالمعنى الأكاديمي، ولا أدعي امتلاك أدوات المؤرخين والمتخصصين. إنما هي دردشة هادئة حول شاي الصباح، أفتح بها بابًا للتأمل، وأترك للباحثين والمتخصصين مهمة التحقيق والتوثيق والتصحيح.
وسأقتصر هنا على لحراطين الاماجد، وعلى بعض المحطات التي تكشف عن حضورهم في تاريخ هذه البلاد، مع التأكيد على عروبتهم وانتمائهم إلى المجتمع العربي البيظاني.
لحراطين الاماجد… السكان الأصليون وركيزة العمران
أبدأ بمجتمع لحراطين الاماجد، الذين أراهم من السكان الأصليين لهذه البلاد، ومن الركائز التي قام عليها عمرانها واقتصادها عبر العصور.
فهم المزارعون الذين أسهموا في إحياء الواحات والأراضي الزراعية على ضفتي نهر صنهاجة، المعروف اليوم بنهر السنغال، كما اضطلعوا بأعمال الرعي والتنمية الحيوانية، وإحياء مناطق الصحراء، وحفر الآبار وتوفير المياه.
ولم تكن هذه الأعمال هامشية، بل كانت من الشروط الأساسية لاستمرار الحياة والعمران في هذه البيئة.
غير أن اختزال تاريخ لحراطين في هذه الأدوار وحدها يغفل صفحات أخرى من تاريخهم، تتصل بالجيش والفتوحات والإمارات والعلم والصلاح والمقاومة.
لحراطين في جيش المرابطين والفتوحات الإسلامية
كان للحراطين حضور في جيش المرابطين، وشاركوا في الفتوحات الإسلامية في الساحل الإفريقي، وفي الحملات التي انتهت إلى إسقاط إمبراطورية غانا الوثنية وتوسيع المجال الإسلامي في المنطقة.
كما ارتبط العهد المرابطي ببناء مراكش، وبالفتح الثاني للأندلس، حين عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، وانتصر في معركة الزلاقة، فاستعاد المسلمون زمام المبادرة وأعيد تثبيت الوجود الإسلامي في الأندلس قرونًا أخرى.
وفي هذه المرحلة التاريخية، كان لحراطين الاماجد حضورهم ضمن القوة البشرية التي قامت عليها الدولة المرابطية وجيوشها وفتوحاتها.
لحراطين في الإمارات المغفرية
وامتد حضورهم بعد العهد المرابطي إلى الإمارات المغفرية، وفي مقدمتها إمارة أولاد امبارك، وإمارتي اترارزة وأدرار.
وكان لهم في هذه الإمارات أدوار في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وفي إدارة شؤونها، بما يجعل تاريخهم جزءًا من تاريخ تلك الإمارات ذاتها.
ومن هنا فإن الحديث عن لحراطين لا ينبغي أن يقف عند الأعمال الزراعية والحرفية، فقد كان منهم كذلك زعماء قبائل وشخصيات ذات نفوذ ومكانة، ومنهم من تولى أدوارًا معروفة في تكانت وغيرها.
العلماء والصالحون والمجاهدون
ولحراطين صفحات أخرى في العلم والدين والصلاح، فقد كان منهم العلماء وقراء القرآن والأدباء وأهل التربية والصلاح، ممن حفظوا القرآن ودرسوا العلوم الشرعية، وكان لهم حضور في الحياة الدينية والاجتماعية.
ومن الأسماء التي تحفظها الذاكرة المحلية الصالح بلال، الولي المدفون في صالحين بأكجوجت، وهو مثال على الحضور الروحي والديني الذي لا يصح تجاهله عند الحديث عن تاريخ لحراطين.
كما كان منهم رجال اشتهروا بالجهاد والدفاع عن البلاد، ومن أبرز من تذكره الرواية المحلية المجاهد ولد امسيكة، الذي ارتبط اسمه بالمقاومة والجهاد.
وهذه الأسماء ليست إلا نماذج، والغرض منها الإشارة إلى أن تاريخ لحراطين لم يكن تاريخ عمل وعمران فحسب، بل كان كذلك تاريخ علم وصلاح وقيادة وجهاد.
لحراطين في مقاومة الاستعمار الفرنسي
وعندما وصل الاستعمار الفرنسي إلى البلاد، لم يكن لحراطين بعيدين عن مقاومته، بل شاركوا في التصدي له في مناطق مختلفة من البلاد، ودفعوا نصيبهم من التضحيات دفاعًا عن الأرض والحرية.
وهذا الحضور في المقاومة يؤكد أن علاقتهم بهذه الأرض ليست علاقة عابرة أو مستجدة، وإنما هي علاقة تاريخ وانتماء وتضحية.
عروبة لحراطين
أما عروبة لحراطين، فهي عندي من الأمور التي لا تحتاج إلى كثير من الجدل.
فهم عرب اللسان والثقافة، يتحدثون الحسانية والعربية، وينتمون إلى البيئة العربية الإسلامية التي تشكل فيها المجتمع البيظاني.
واللون لا يغير من حقيقة الانتماء الثقافي واللغوي والتاريخي، كما أن اختلاف الموقع الاجتماعي في مرحلة من مراحل التاريخ لا يصنع قومية جديدة ولا وطنًا جديدًا.
لحراطين الاماجد، في نهاية الأمر، جزء أصيل من المجتمع العربي البيظاني، وتاريخهم ممتد في هذه الأرض، من الزراعة والعمران إلى العلم والصلاح، ومن الجيوش والفتوحات إلى الإمارات والمقاومة.
من الماضي إلى موريتانيا الحديثة
ولم يتوقف هذا الحضور عند التاريخ القديم أو المجتمع التقليدي. ففي موريتانيا الحديثة برز من لحراطين ضباط كبار في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ومهندسون ومحامون وأساتذة ومثقفون، كما ظهر منهم رؤساء أحزاب سياسية، ومفكرون وباحثون، وشخصيات تولت مواقع عامة ومؤثرة.
وهذا التطور ليس خروجًا عن تاريخهم، بل امتداد طبيعي له؛ فالمجتمع الذي أنجب المزارع والجندي والعالم والقارئ والمجاهد وزعيم القبيلة، قادر كذلك على أن ينجب المهندس والمحامي والضابط والمفكر والباحث والسياسي.
خاتمة
هذه ليست محاولة لكتابة تاريخ لحراطين، وإنما مجرد إطلالة سريعة أثارها فضول عابر على شاي الصباح.
لكنها تثير سؤالًا يستحق أن يجيب عنه المؤرخون والباحثون:
كم من صفحات تاريخ لحراطين الاماجد ما زالت بحاجة إلى أن تُقرأ وتُوثق وتُخرج من هامش الذاكرة إلى صلب التاريخ؟
ذلك أن تاريخ الشعوب لا يُقاس بما كُتب عنها فقط، وإنما أيضًا بما صنعته، ولو بقي كثير منه ينتظر من يكتبه.
