
مقدمة: مسؤولية السؤال
أشعر بمسؤولية خاصة وأنا أتناول هذه المسألة، لا لأنني أريد أن أدخل في خصومة مع عقيدة المجتمع، وإنما لأنني أرى أمامنا ظاهرة تتجاوز الاعتقاد الديني إلى تشكيل العقل الجمعي نفسه: مجتمع تتسع فيه مساحة الخرافة، ويزداد فيه تغليب الميتافيزيقا على الواقع المعاش، حتى أصبح ما لا نراه أحيانًا أكثر تأثيرًا في حياتنا مما نراه ونستطيع فحصه.
السحر، والعين، والجن، والرقية، وتأثير الأرواح الغيبية موضوعات لها حضورها في الذاكرة الدينية والثقافية. لكن الخطر يبدأ حين تتحول من إيمان بالغيب إلى تفسير شامل للحياة؛ فيصبح المرض سحرًا، والتعثر عينًا، والخلاف عملًا، والاضطراب النفسي مسًّا، والفشل حسدًا.
هنا لا يعود السؤال: هل نؤمن بالغيب أم لا؟ وإنما يصبح السؤال الأهم:
ماذا يحدث للعقل حين يصبح الغيب تفسيره الأول للواقع؟
1. بين ما ثبت وما أضافه الخيال
لا يستطيع المسلم أن يتجاهل ورود السحر في القرآن والسنة؛ فقد ذكر القرآن سحرة فرعون، وذكر السحر في قصة بابل، وجاءت السنة بحديث سحر النبي ﷺ. وقد أثبت جمهور العلماء أصل السحر وتأثيره في بعض صوره.
لكن هذا شيء، وما تراكم حوله من مرويات شعبية شيء آخر.
فوجود السحر في النص الديني لا يجعل كل مرض سحرًا، ولا كل عين إصابة، ولا كل اضطراب دليلًا على الجن، ولا كل رقية علاجًا.
النص شيء، وتأويله شيء، وما يضيفه الخيال الجمعي شيء ثالث.
وهنا يبدأ التنظيف الحقيقي للعقل: أن نعيد كل فكرة إلى مصدرها، وكل دعوى إلى دليلها، وكل مرض إلى تشخيصه.
2. حين يصبح المجهول جوابًا جاهزًا
من خصائص العقل البشري أنه لا يحب الفراغ التفسيري. فإذا عجز عن معرفة السبب، صنع له سببًا.
وقد يكون هذا مفهومًا في المجتمعات القديمة، حين كانت مساحة المجهول واسعة، لكن المأساة أن يبقى الإنسان في عصر الطب والمختبر وعلم النفس أسيرًا للتفسير نفسه.
المريض الذي يحتاج إلى طبيب قد يبحث عن ساحر، ومن يعاني اضطرابًا نفسيًا قد يبحث عن جني، ومن فشل في علاقة قد يبحث عن عائن، ومن تعثر مشروعه قد يبحث عن حاسد.
وهكذا يصبح السؤال عن السبب أقل أهمية من البحث عن فاعل خفي.
وحين يعجز المجتمع عن تفسير الواقع، قد يخترع له واقعًا آخر.
3. علم النفس: كيف يصنع العقل عالمه الخفي؟
هنا يمكن لعلم النفس، وخاصة مدرسة التحليل النفسي، أن تقدم لنا زاوية مختلفة.
فـسيغموند فرويد لفت الانتباه إلى أن الإنسان لا يعيش فقط بما هو واعٍ؛ فهناك رغبات ومخاوف وصراعات مكبوتة يمكن أن تبحث عن مخرج أو تفسير.
ثم جاء كارل يونغ فأعطى أهمية أكبر للرموز والصور التي تتكرر في الوعي الجمعي، ورأى أن الإنسان يحمل في داخله مخزونًا رمزيًا يتجاوز تجربته الفردية.
وليس المقصود من استدعاء فرويد أو يونغ أن نفسر الغيب كله تفسيرًا نفسيًا، فهذا يتجاوز ما يستطيع علم النفس إثباته. وإنما الفكرة أعمق: قد يكون بعض ما نسميه تأثيرًا خارجيًا تعبيرًا عن خوف داخلي، أو إيحاءً جماعيًا، أو صراع نفسي لم يجد صاحبه لغة أخرى للتعبير عنه.
فالإنسان لا يمرض بالخرافة وحدها؛ أحيانًا يمرض من الخوف منها.
وقد يكفي أن يقتنع شخص بأنه مسحور حتى يبدأ في قراءة كل تغير في جسده وحياته باعتباره علامة على السحر. يصبح الاعتقاد نفسه عدسة يرى العالم من خلالها.
وهنا تتحول الفكرة من مجرد اعتقاد إلى قوة نفسية واجتماعية حقيقية، حتى لو بقي مصدرها الخارجي غير مثبت.
4. حين تنافس الخرافة الطب
المشكلة لا تبقى نظرية عندما يصبح السحر بديلًا عن الطبيب.
قد يتأخر مريض عن التشخيص لأنه يبحث عن «فك العمل»، وقد يترك علاجًا موصوفًا لأنه اقتنع بأن المرض من الجن، وقد تعيش أسرة سنوات وهي تبحث عن ساحر يفسر لها ما كان يحتاج إلى طبيب أو اختصاصي نفسي.
وهنا تصبح المسألة أخلاقية قبل أن تكون عقدية.
الدعاء لا ينافس الدواء، والرقية لا تلغي التشخيص، والتوكل لا يعني ترك الأسباب.
بل إن أخطر أشكال الخرافة أن تمنح الإنسان تفسيرًا مريحًا لمرضه، ثم تسلبه في الوقت نفسه فرصة علاجه.
5. وحين تدخل الخرافة إلى العلاقات
الأمر أخطر حين تصبح القوى الغيبية طرفًا في العلاقات الإنسانية.
زواج متعثر: سحر.
خصومة أسرية: عين.
نجاح شخص: حسد.
اضطراب نفسي: جن.
فشل مشروع: عمل خفي.
وبذلك قد تُخفى الأسباب الحقيقية: سوء المعاملة، الغيرة، العنف، الضغوط الاقتصادية، ضعف التواصل، اضطرابات الشخصية أو أخطاء القرار.
وقد يتحول بريء إلى متهم، وتتحول الأسرة إلى ساحة شك، ويصبح الإنسان أسيرًا لعدو لا يستطيع رؤيته ولا مواجهته ولا حتى إثبات وجوده.
كلما كثر الأعداء الخفيون، قلت مسؤولية الإنسان عن أعدائه الحقيقيين.
6. الرقية: عبادة أم صناعة للخوف؟
الرقية المشروعة، باعتبارها دعاءً واستعاذة وقراءة للقرآن، شيء؛ وتحويل الخوف من السحر إلى سوق شيء آخر.
فالفرق كبير بين من يدعو الله للمريض، وبين من يدعي معرفة الساحر والعائن والجن، ويحدد للناس من ظلمهم، وما الذي فُعل لهم، ومتى وقع، وكيف يفك.
عند هذه النقطة قد تتحول الرقية من باب للطمأنينة إلى باب للاستغلال.
والمشكلة ليست في القرآن، وإنما في الإنسان الذي يمنح نفسه سلطة على المجهول.
ليس كل مجهول غيبًا، وليس كل مدّعٍ للغيب أمينًا على الدين.
7. لا نريد إلغاء الغيب، بل إعادة الغيب إلى مكانه
تحرير العقل لا يعني إعلان الحرب على الغيب.
فالإيمان بالغيب جزء من العقيدة الإسلامية، والعلم نفسه لا يدعي الإحاطة بكل ما في الوجود. لكن الإيمان بوجود ما وراء الحس لا يمنح الإنسان حق تفسير كل ما في الحس به.
هناك ما نؤمن به، وما نجهله، وما نستطيع اختباره.
والحكمة أن نعرف الفارق.
إذا مرض الإنسان، فليبحث عن الطبيب. وإذا اضطربت نفسه، فليبحث عن المختص. وإذا فسدت علاقته، فليبحث عن أسبابها. وإذا عجز عن تفسير شيء، فليملك شجاعة أن يقول: لا أعلم.
فـ«لا أعلم» ليست هزيمة للعقل؛ إنها إحدى علامات نضجه.
خاتمة: تحرير الإنسان من الخوف
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لعقل جماعي ليس أن يؤمن بالغيب، وإنما أن يصبح الخوف من الغيب أقوى من قدرته على فهم الواقع.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع ينكر الدين كي يتخلص من الخرافة، وإنما إلى مجتمع يميز بين الدين والخرافة، وبين الغيب والوهم، وبين الرقية والاستغلال، وبين الإيمان والوسواس.
لقد آن لنا أن نعيد المرض إلى الطبيب، والاضطراب إلى علم النفس، والنزاع إلى الحوار، والجريمة إلى القانون، والفشل إلى مراجعة الأسباب، والمجهول إلى البحث؛ وأن نترك للغيب مجاله الذي لا يلغيه العقل ولا يحتله الوهم.
فالمشكلة ليست أن الإنسان يؤمن بما لا يرى؛ فكم من حقائق الوجود لم يرها الإنسان بعينه.
المشكلة حين يرى الإنسان الوهم، ثم يسميه غيبًا؛ وحين يعجز عن تفسير الواقع، فيستبدله بتفسير لا يستطيع اختباره؛ وحين يترك ما يستطيع علاجه بما لا يستطيع إثباته.
إن المجتمع الذي يريد أن يخرج من التخلف لا يحتاج إلى محاربة إيمانه، وإنما يحتاج إلى تحرير عقله من الخوف، وإلى استعادة ثقته في السؤال، والدليل، والطبيب، والعالم، والمختص، وفي قدرته هو على صناعة واقعه.
فالإيمان بالغيب ينبغي أن يفتح للإنسان أفقًا يتجاوز المادة، لا أن يغلق عليه أبواب الواقع.
