صرخة من توجنين عندما تنتهك الطفولة تحت وطأة الفظاعة و قصور القانون

لا يمكن للكلمات، مهما بلغت قوتها، أن تصف حجم البشاعة و الوحشية التي هزت وجدان الرأي العام في العاصمة انواكشوط أمس، إثر الجريمة النكراء التي راحت ضحيتها طفلة بريئة في ربيعها السابع بمقاطعة توجنين حي بوحديدة ،
في واقعة مروعة تجردت من كل القيم الإنسانية والدينية، حيث تعرضت الطفلة توت للاعتراض والاغتصاب الوحشي أثناء عودتها من المحظرة بعد حصة لتدارس القرآن الكريم.
و استغل الجاني خلو المنطقة من المارة و هدوء الحركة وسط النهار، ليقتاد الضحية بالقوة إلى منزل مهجور مجاور، حيث نفذ جريمته النكراء مستغلاً عزلة المكان.
لتجد نفسها راقدة بين جدران المستشفى في حالة صحية ونفسية حرجة بإنتظار عملية جراحية ثانية دقيقة لترميم ما دمرته أيادي الغدر الوحشية ،
تثير هذه الحادثة الصادمة موجة من الاستنكار الشديد، وتدق ناقوس الخطر حول ضرورة تأمين الأحياء السكنية ومراقبة المباني المهجورة.
في حين اعلنت المديرية العامة للأمن الوطني عن تمكن الشرطة من إلقاء القبض علي المتهم بالإعتداء علي الطفلة القاصر توت ،
في وقت وجيز بعد ساعات قليلة من ارتكاب الجريمة ، حيث أدلي المتهم بإعترافات تفصيلية كاملة و مطابقة للوقائع ، قادت المحققين إلي مسرح الجريمة و تعرفت عليه الضحية بشكل قاطع في انتظار ترتيب إحالته الي القضاء ،
وهو ما يطرح دائما تساؤلات بشأن خيوط العلاقة بين سرعة تنفيذ الجريمة و سرعة القبض علي الجناة ،
لماذا لا يتم إستغلال هذا التفوق الدائم في تأمين المجتمع بشكل مسبق و مطلق ؟!
تأتي هذه الفاجعة المتزامنة مع تصاعد وتيرة السلوك الإجرامي وانتشار استعمال المخدرات المؤثرات العقلية وحبوب الهلوسة بشكل كبير وكبير جدا داخل أوساط الشباب، في ظل تراجع الدور الرقابي و التحسيسي للأسرة و المدرسة و العلماء و المجتمع والدولة و إنتشار البطالة ،
و هو ما يضع المجتمع بأسره أمام مرآة الواقع المرير واقع أصبح فيه المواطن يعيش حالة من القلق الدائم على أهله وعرضه وماله في بعض الأحياء التي باتت مسرحاً لجرائم مروعة.
إضافة إلي ضعف الوازع الديني لحظة غياب الأمن والأمان في زمن تلاشت و تراجعت معه القيم المجتمعية و الضوابط الأخلاقية و الثوابت الوطنية.
في وقت لم يعد للجريمة رادع يردعها و لا وازع ضمير أو ديني يمنعها .
تأتي هذه الأحداث متزامنة في ظل إنفلات أمني ملاحظ و تطور غير مسبوق للسلوك الإجرامي أصبح من خلاله المواطن في حالة رعب دائم لا يأمن فيه علي أهله و ماله و عرضه .
إذ تعد جريمة الإغتصاب من عظائم الأمور المسكوت عنها للأسف في بلدنا .
نتيجة عزوف البعض عن إبلاغ السلطات عنها بمجرد وقوعها و كشف تفاصيلها و جزئياتها في نفس الوقت .
خوفا من العار و الفضائح و ضغوط العوائل و قيود التقاليد داخل مجتمع محافظ يفضل الذكور علي الإناث و يتعامل مع المرأة بإهمال.
و هو ما يعزز فرضية إلقاء اللوم علي الضحية لكونها تتحمل مسؤلية الإعتداء بدل الجاني .
ما يبعث علي القلق و الخوف إزاء قضايا الإغتصاب المنتشرة هو التراخي و التساهل القضائي مع المجرمين و المتهمين و المدانين في هكذا جرائم .
و هو ما يساهم بشكل أو بآخر في إفلات الجناة من العقاب تحت مصطلحات و مسميات قضائية متغيرة حرية مؤقتة أو دون وجه متابعة لضعف الادلة أو غيرها .
مما يبقي العقوبة دون مستوي بشاعة الفعل و آثاره السلبية و الكارثية الممتدة علي حياة الضحية و مستقبلها ،
و هو ما يعد طعنة أخري في جسد العدالة ،
في ظل ما أشيع عن المشرع الموريتاني بأنه مازال يعتبر الجرائم الجنسية شكلا من أشكال الحماية الجزائية للأخلاق و هو أساس غامض للتجريم .
ففي سياق قضية الإغتصاب الأخيرة
ينبغي علي الجميع أخذ الحيطة و توخي الحذر و التعاون و التنسيق مع السلطات الأمنية و التبليغ الفوري عن كل مشتبه به.
حتي لا تتكرر الحادثة في مناطق أخري من العاصمة.
كما أن إحقاق الحق في حالة الإغتصاب الحاصلة و الإعتداء و اعتراض طريق الأطفال خاصة من البنات ، يقتضي منا جميعا أن نقف وقفة رجل واحد إلي جانب أهل الضحية و أمام قصور العدالة ،
و إيصال صوتهم بوضوح إلي غرف صناعة القرار القضائي و الأمني،
و المطالبة سويا بضرورة تحسين التدابير الأمنية و محاكمة الجناة و إحقاق العدالة و ضمان عدم الإفلات من العقاب.
و إنزال أقسي العقوبة عليهم حتي لا يتسني لأي كان و تحت أي ظرف المساس و العبث ببنات الناس قصرا كن أو بالغات.
إن هذه القضية يجب ان تشكل نقطة تحول حاسمة تدفع بالمشرع الموريتاني و برلمان البلاد إلي الإسراع في مراجعة و تشديد و تغليظ قانون عقوبة الإغتصاب و تشريع نصوص قانونية صريحة وقاسية ليلائم حجم المأساة و يصل إلي الإعدام أو المؤبد لجرائم الإغتصاب،
مما سيعزز الشق الوقائي و يساهم في ردع من يفكر في القيام بمثل هذا التصرف الخاطئ و القاتل ،
بالتأكيد حق هذه الطفلة البريئة هو حق المجتمع بأكمله، والوقوف معها هو وقوف مع قيم الأمان والعدالة والإنسانية فلا تفريط في العِرض، ولا تهاون مع المجرمين و لا إفلات من العقاب.

كامل التضامن
حفظ الله بناتنا و أطفالنا
اباي ولد اداعة.