
لم يكن الحديث عن هذا الموضوع، الذي ظل طويلًا من المسكوت عنه، ترفًا فكريًا ولا رغبة في نبش جراح الماضي؛ وإنما فرضته، بصورة مباشرة، الحوارات التمهيدية من تحت الطاولة للجلسات الرسمية للحوار الوطني المنتظر، وما بدأ يظهر خلالها من مطالب وخطابات تثير أسئلة مشروعة حول مستقبل التوازن الوطني وثوابت الدولة.
فقد برزت في هذه الحوارات مطالب تتجاوز، في نظر الكثيرين، المطالبة الطبيعية بالحقوق والمساواة، لتلامس قضايا تتصل بهوية الدولة العربية والتى لاتروق لليسار الماركسي وتغيظ أفلام وتستحى الأنظمة من إعلانها ؟؟؟ وموقع مكونها العربي البيظاني وثوابته الحضارية. والأمر يستحق التوقف خصوصًا عندما تصدر بعض هذه الطروحات عن حركة «أفلام»، وهي حركة ارتبط اسمها تاريخيًا بخطاب شديد الصدامية تجاه المكوّن العربي البيظاني، وبمرحلة دامية من تاريخ البلاد لم تكن فيها لغة التحريض والتعبئة غائبة عن المشهد السياسي.
وليس المقصود هنا محاكمة الأفراد، ولا تحميل أبناء اليوم أوزار الأمس، وإنما طرح سؤال سياسي مشروع: هل انتهى ذلك الخطاب فعلًا، وهل دخلنا مرحلة جديدة عنوانها المواطنة المشتركة، أم أن بعض المطالب القديمة يعاد تقديمها اليوم بلغة الحوار والديمقراطية؟
هذا السؤال لا يجوز إسكاتُه باسم الحوار؛ لأن الحوار الحقيقي لا يعني أن تتنازل الأغلبية عن ثوابتها حتى تطمئن الأقلية، كما لا يعني أن تُترك مظالم الأقلية بلا معالجة.
ومن هنا تأتي هذه الوقفة.
لا لسطوة الأقليات
ليس الدفاع عن حقوق الأقليات دعوة إلى إقصائها، كما أن الدفاع عن حق الأغلبية في هويتها العربية وثوابتها ليس دعوة إلى اضطهاد الأقلية.
هذه قاعدة ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية: للأقلية حقوقها الكاملة، وللأغلبية حقوقها الكاملة، والدستور هو الحكم بين الجميع.
فالأقليات ليست ضيوفًا على الوطن، ولا مواطنين من درجة ثانية. لها حقها الكامل في الأمن والكرامة والمساواة والمشاركة السياسية والثقافية، تحميها في ذلك أحكام الدستور والقانون والعرف، وتحرسها قبل ذلك قيم الإسلام التي تجعل العدل أصلًا من أصول الحكم.
لكن حماية حقوق الأقلية شيء، وتحويل الأقلية إلى قوة سياسية تملك حق إعادة تعريف الدولة وثوابتها شيء آخر.
فالديمقراطية لا تعني أن تحكم الأقلية الأغلبية، كما لا تعني أن تتحول الأكثرية العددية إلى رخصة للظلم. الديمقراطية الدستورية هي أن تحكم الأغلبية في إطار القانون، وأن تتمتع الأقلية بحقوقها كاملة في الإطار نفسه.
ومن هنا يجب أن نفرق بين حماية الأقلية وسَطوة الأقلية.
الأولى واجب دستوري وأخلاقي، والثانية خروج على المألوف فى الأعراف الدولية و على قاعدة المواطنة المتساوية.
والتاريخ السياسي يعلمنا أن قضية الأقليات يمكن أن تكون قضية حقوق حقيقية، لكنها يمكن كذلك أن تتحول إلى ورقة في صراع الدول ومصالح القوى الخارجية.
وفرنسا مثال لا يمكن إسقاطه من قراءة التاريخ السياسي الموريتاني.
فمنذ بدايات الدولة الوطنية، لم تتعامل باريس مع مكونات المجتمع الموريتاني باعتبارها شأنًا اجتماعيًا داخليًا محضًا، بل ظلت البنية الاجتماعية واللغوية والعرقية إحدى الأوراق التي تدخل في الحساب السياسي. وظهرت آثار ذلك في محطات متعاقبة، من أزمة 1966، إلى التحولات السياسية والعسكرية في 1979، ثم أحداث 1987 و 1989 وما تلاها.
ولا يعني ذلك أن كل فرد من أبناء مكوّن اجتماعي معين كان أداة في يد فرنسا، ولا أن كل مطالبة بالحقوق كانت مؤامرة؛ فهذا تبسيط للتاريخ. لكن تجاهل الدور الفرنسي في إدارة التناقضات الاجتماعية والسياسية، وفي تشجيع اتجاهات كانت ترى في الهوية العربية للدولة عقبة أمام تصورها لموريتانيا، هو أيضًا قراءة مبتورة للتاريخ.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل للأقليات حقوق؟
فالجواب واضح: نعم.
وإنما السؤال هو: هل تتحول حقوق الأقليات إلى مدخل لإعادة هندسة الدولة، وإلى وسيلة سياسية لإضعاف أغلبية حملت السلاح ضد الاستعمار، ثم وجدت نفسها مطالبة بعد الاستقلال بالتخلي عن جزء من ذاكرتها وهويتها وثوابتها حتى ترضي الآخرين؟
هنا ينبغي أن نتوقف.
فموريتانيا لم تولد من فراغ، ولم تكن مشروعًا استعماريًا ينتظر إدارة محلية بعد رحيل المستعمر. كانت لها قبل الدولة الحديثة بنية سياسية اميرية و اجتماعية وثقافية ودينية ولغوية عميقة، وكانت العربية لغة الدين والعلم والتواصل، وكانت المحاظر والحواضر والقبائل والطرق الصوفية والتجارة تشكل فضاءً حضاريًا متصلًا.
ثم جاءت الدولة الحديثة وهي تحمل معها إرثًا استعماريًا لا يمكن تجاهله.
ومن أخطر الأخطاء أن يسمح لهذا الإرث بأن يستمر بعد الاستقلال في صورة صراع دائم بين مكونات المجتمع، بحيث تصبح أقلية معينة حاملة لمشروع سياسي، وتصبح الأغلبية مطالبة باستمرار بتقديم التنازلات الواحدة تلو الأخرى لإثبات حسن نيتها.
فالعدالة شيء، وتحويل الذاكرة إلى سجل ثأر مفتوح شيء آخر.
لقد عرفت موريتانيا مراحل شديدة القسوة، خصوصًا في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولا يمكن بناء المستقبل بإنكار الجراح أو إنكار المسؤوليات. لكن معالجة تلك الجراح ينبغي أن تكون بالعدل والمصالحة والمواطنة، لا بتحويلها إلى وقود لصراع أبدي بين مكونات المجتمع.
فالانتقام التاريخي لا يبني دولة.
والدولة التي تسمح لقوة خارجية باستثمار انقساماتها الداخلية لا تحمي الأقلية في نهاية المطاف، وإنما تستخدمها ورقة في صراع سياسي، وقد تدفع بها إلى مواجهة الأغلبية؛ وعندها تكون الأقلية نفسها أول من يدفع ثمن هذا الصراع.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تظن قوة خارجية أنها تنتصر للأقلية، بينما هي في الحقيقة تدفع بها إلى مواجهة الأغلبية؛ وقد تظن الأقلية أنها تستخدم الخارج لتحقيق مكاسبها، بينما قد تجد نفسها قد تحولت إلى ورقة في يد الخارج.
ولذلك فإن الدولة الحكيمة لا ينبغي أن تسمح بتحويل الحوار الوطني إلى ساحة لإعادة إنتاج الصراعات القديمة بأسماء جديدة.
الحوار مطلوب، بل ضروري؛ لكن الحوار لا يعني أن تصبح ثوابت الدولة موضوعًا للمساومة بين مكونات المجتمع.
فالإسلام ليس سلاحًا ضد الأقلية، والعربية ليست سلاحًا ضدها، كما أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى سلاح ضد الإسلام والعربية.
وإذا كان الحوار الوطني فرصة لتجاوز الماضي، فإن أول شروط ذلك أن يتجاوز الجميع منطق الثأر المتبادل: فلا تحمل الأغلبية أبناء اليوم مسؤولية أخطاء الماضي، ولا تجعل الأقلية مظالم الماضي تفويضًا مفتوحًا لإعادة صياغة الدولة على أساس الانتقام.
إن الدولة العاقلة لا تنتقم من أبنائها، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن ينتقم بعض أبنائها من بعض باسم التاريخ.
ومن هنا فإن القاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة هي:
لكل مكوّن حقوقه كاملة، وعليه واجباته كاملة؛ لا ظلم للأقلية، ولا وصاية للأقلية على الأغلبية؛ لا استبداد للأغلبية، ولا ابتزاز للأغلبية.
والحكمة ليست أن نعطي كل جماعة ما تطلبه، وإنما أن نضع قاعدة واحدة للجميع: الحقوق مصونة، والواجبات مشتركة، والسلطة تُنال بالوسائل الدستورية، والهوية العامة لا يعاد تشكيلها بالابتزاز ولا بالثأر ولا بالمساومات العابرة.
فلكل مكوّن في هذا الوطن مكانه، ولكل مواطن حقه، ولكن لا أحد فوق الدولة، ولا جماعة تملك الدولة، ولا أقلية تملك حق إعادة تعريف الأغلبية، ولا أغلبية تملك حق سحق الأقلية.
الأغلبية تحكم ولا تستبد، والأقلية تشارك ولا تهيمن، والدولة تقف فوق الجميع، والدستور يحمي الجميع، وثوابت الوطن لا تُباع في سوق المجاملات السياسية.
لا لسطوة الأقليات، ولا لاستبداد الأغلبية؛ نعم لدولة المواطنة، ولكن مواطنة لا تعني اقتلاع الوطن من جذوره، ولا تحويل ثوابته إلى ثمن تدفعه الأغلبية كلما أرادت القوى السياسية شراء رضا الأقلية.
فذلك ليس إقصاءً للأقلية، وإنما هو الشرط الضروري لكي يبقى الوطن وطنًا للجميع.
