موريتانيا: إفريقية الجغرافيا، عربية الحضارة

يبدو السؤال في ظاهره بسيطاً: هل موريتانيا عربية أم إفريقية؟
لكن صياغة السؤال نفسها تحتاج إلى تصحيح؛ لأن الجغرافيا شيء، والهوية الحضارية شيء آخر. فموريتانيا إفريقية بحكم موقعها، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكنها ليست لذلك مطالبة بأن تجعل من «الإفريقية» هوية حضارية بديلة عن عروبتها.
القارة تحدد المكان، لكنها لا تحدد وحدها الحضارة.
العروبة ليست نقاءً عرقياً
العروبة التي نتحدث عنها ليست دعوى نقاء عرقي ولا بحثاً عن «دم عربي صافٍ». فالعرب أنفسهم، عبر التاريخ، أمة تكونت بالهجرة والاختلاط والتحالف والتعريب، وكانت اللغة والثقافة والانتماء الحضاري من أقوى عناصر تكوينها.
ومن الخطأ، لذلك، اختزال عروبة موريتانيا في سؤال الأنساب وحده. فقد شهد المجال الصحراوي والمغاربي موجات متتابعة من الهجرات العربية، وكان للهجرات الهلالية أثر بالغ في إعادة تشكيل المجال البشري والثقافي في الغرب الإسلامي. وتورد بعض التقديرات البرتغالية والمغربية أرقاماً تتجاوز أربعمائة ألف بدوي ظاعن في سياقات تلك الهجرات. وليس المقصود تحويل الرقم إلى حقيقة حسابية مقدسة، وإنما إبراز حقيقة تاريخية أكبر: أن انتقال العرب إلى المجال المغاربي والصحراوي لم يكن حادثاً عابراً ولا حركة أسر متناثرة، بل كان حركة بشرية واسعة تركت آثارها في اللغة والعادات والأنساب وأنماط العيش والذاكرة الجماعية.
وموريتانيا لم تكن جزيرة معزولة عن ذلك التحول؛ فقد تداخلت فيها المكونات العربية والصحراوية والصنهاجية عبر قرون، ونشأت من هذا التفاعل شخصية موريتانية ذات ملامح عربية وإسلامية واضحة، تجسدت بصورة خاصة في اللغة والثقافة والتعليم والشعر.
الصحراء لم تكن حاجزاً أمام العروبة
من يقرأ تاريخ الصحراء قراءة جغرافية جامدة قد يتصور أنها فصلت المغرب عن المشرق، بينما تكشف قراءة التاريخ أنها كانت في أحيان كثيرة جسراً للحركة والاتصال.
فالقبائل تتحرك، والقوافل تعبر، والعلماء والفقهاء ينتقلون، والأنساب تتداخل، واللغات تتفاعل. ولم تكن الصحراء حدوداً سياسية بالمعنى الحديث حتى يمكن إسقاط مفهوم الدولة المعاصرة عليها بأثر رجعي.
وفي هذا المجال الواسع نشأت اللهجة الحسانية بوصفها عربية صحراوية ذات شخصية متميزة، وحملت معها تراثاً شفهياً وشعرياً هائلاً، حتى أصبح الشعر الحساني أحد أبرز أوعية الذاكرة الاجتماعية في موريتانيا.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن التعريب لا يعني محو التاريخ السابق، كما أن وجود جذور صنهاجية أو إفريقية في بعض المكونات لا ينفي التحولات الحضارية التي عرفها المجتمع عبر القرون. فالأمم لا تبقى ساكنة؛ بل تتغير بالهجرة والمصاهرة واللغة والدين والثقافة.
والشعر شاهد لا يحتاج إلى وصاية
إذا أردنا البحث عن طبيعة الحضارة التي تشكلت في هذه البلاد، فلن نجد شاهداً أقوى من اللغة التي حفظت بها أجيالها علومها وذاكرتها.
لقد كانت العربية لغة القرآن والحديث والفقه والعقيدة والنحو والبلاغة والشعر والمراسلات، وبها قامت المحظرة الموريتانية، التي لم تكن مجرد مدرسة دينية، وإنما مؤسسة علمية حافظت على تراث عربي وإسلامي واسع، وأنتجت أجيالاً من العلماء والشعراء والفقهاء.
وليس من السهل أن يقال إن مجتمعاً جعل العربية لغة علمه وشعره وتعليمه وكتابه ومخاطباته، ثم يقال له إن عروبته مجرد تسمية سياسية طارئة.
والشعر الحساني نفسه ليس تفصيلاً هامشياً؛ فهو ذاكرة اجتماعية ولغوية واسعة، إلى جانب استمرار القصيدة العربية الفصحى وعلومها في البيئة المحظرية. وهذه الخصوصية الثقافية هي التي جعلت موريتانيا ترتبط في الذاكرة العربية بلقب «بلاد المليون شاعر».
فالشعر هنا ليس دليلاً وحيداً على الهوية، لكنه شاهد حضاري بالغ القوة عليها.
إفريقية الجغرافيا ليست زنجية الهوية
وهنا يقع الخلط الأكبر.
إفريقيا قارة، وليست عِرقاً.
والقول بأن موريتانيا إفريقية من الناحية الجغرافية قول صحيح، لكن تحويل «الإفريقية» إلى مرادف للهوية الزنجية أو الإفريقية السوداء هو انتقال من الجغرافيا إلى الأيديولوجيا دون دليل.
فمصر إفريقية وعربية، والسودان إفريقي وعربي، وليبيا إفريقية وعربية، وتونس والجزائر والمغرب إفريقية وعربية. ولم ير أحد تناقضاً بين الانتماء الجغرافي إلى إفريقيا والانتماء الحضاري إلى العالم العربي.
بل إن دولاً عربية تقع بكاملها في آسيا لا تقدم «الآسيوية» باعتبارها هويتها الحضارية الأولى، كما أن انتماء دول الخليج إلى القارة الآسيوية لم يمنعها من تعريف نفسها ضمن المجال العربي.
فلماذا يراد لموريتانيا وحدها أن تصبح مطالبة بالاختيار بين إفريقيا والعروبة، وكأن القارة تناقض الحضارة؟
المعادلة الصحيحة هي: موريتانيا إفريقية جغرافياً، عربية حضارياً، إسلامية في مرجعيتها، وصحراوية في مجالها التاريخي.
وماذا عن دستور يوليو 1991؟
لا أرى أن عروبة موريتانيا تحتاج إلى الاستناد إلى دستور 20 يوليو 1991؛ فالعروبة الموريتانية أسبق من الدولة الحديثة ودستورها بقرون.
ومع ذلك، فإن دستور 1991 ولد في سياق سياسي انتقالي وتحت سلطة عسكرية، واستلهم جانباً مهماً من هندسة الجمهورية الفرنسية الخامسة، كما لم يحسم بصورة لا لبس فيها مركز الهوية الحضارية للدولة، وأضفى تحصيناً على بعض أحكامه يجعل مراجعتها شديدة الصعوبة.
ومن حق الباحث أن يتساءل: هل يجوز لدستور وضعته مرحلة تاريخية محددة أن يصادر حق الأجيال اللاحقة في تطوير نظامها السياسي والدستوري؟
فالدستور وثيقة قانونية قابلة للتطوير، أما الهوية فهي ذاكرة أمة تشكلت عبر القرون.
ولهذا لا نبحث عن عروبة موريتانيا في دستور 1991؛ بل نقرأ دستور 1991 في ضوء موريتانيا التي سبقته بقرون.
التعدد لا يعني إلغاء الهوية
الاعتراف بالتعدد الموريتاني أمر لا خلاف عليه. فكل مواطن، أياً كان أصله أو لونه أو لغته، له كامل حقوق المواطنة، ولا يجوز تحويل الهوية الوطنية إلى وسيلة للتمييز أو الإقصاء.
لكن هناك فرقاً بين المواطنة المتساوية وبين الهوية الحضارية للدولة.
يمكن لمجتمع أن يكون متعدد المكونات، من دون أن تكون هويته الحضارية مشروعاً تفاوضياً مفتوحاً إلى ما لا نهاية.
فالحقوق متساوية، والكرامة واحدة، والمواطنة جامعة؛ أما اللغة والثقافة والذاكرة التاريخية، فهي عناصر لا يمكن محوها باسم التعدد.
وهل يمكن أن تكون العروبة والزنجية هوية واحدة؟
إذا كان المقصود أن يعيش العرب والزنوح ومختلف المكونات الموريتانية في دولة واحدة، متساوين في الحقوق والواجبات، فهذا ليس فقط ممكناً، بل هو مقتضى الدولة الوطنية.
أما إذا كان المقصود دمج مشروعين حضاريين متنافسين تحت عنوان واحد، بحيث تصبح هوية الدولة نفسها موضع مساومة دائمة، فذلك ليس حلاً للتعدد، وإنما تأجيل للخلاف.
والأخطر أن يتحول مصطلح «الإفريقية» من وصف جغرافي جامع إلى مشروع أيديولوجي يراد به إعادة تعريف موريتانيا بعيداً عن محيطها العربي.
هنا يصبح النقاش مشروعاً، بل ضرورياً.
ليس المطلوب إقصاء أحد، وإنما رفض تحويل التاريخ إلى ورقة تفاوض سياسية.
الهوية لا تُبنى بالمساومة
إن موريتانيا ليست مطالبة بأن تنكر إفريقيا حتى تثبت عروبتها، كما أنها ليست مطالبة بأن تنكر عروبتها حتى تثبت إفريقيتها.
لكن عليها أن تميز بين مستويين مختلفين:
إفريقيا هي مجالها الجغرافي والسياسي؛ والعروبة هي أحد أعمق مكونات شخصيتها الحضارية واللغوية والتاريخية.
وهذا التمييز لا ينتقص من أي مكوّن موريتاني، بل يمنع الخلط بين الجغرافيا والحضارة، وبين المواطنة والهوية، وبين التعدد الطبيعي والمشاريع الأيديولوجية.
لقد سبقت موريتانيا الحديثةَ حدوداً ودساتيرَ وأنظمةً سياسية. وكانت العربية حاضرة في علمها وشعرها ومحاظرها وذاكرتها قبل أن تولد الدولة الوطنية الحديثة بوقت طويل.
لذلك فإن محاولة إعادة تعريفها اليوم لا يمكن أن تبدأ من الخرائط وحدها، ولا من نص دستوري ولد في ظرف تاريخي معين، وإنما ينبغي أن تبدأ من السؤال الأبسط والأعمق:
ما الذي صنع الشخصية الموريتانية عبر القرون؟
والجواب لا يمكن اختزاله في لون، ولا في جغرافيا، ولا في دستور.
إنه تاريخ من الإسلام والعربية والصحراء والهجرة والتمازج والعلم والشعر والمحظرة والذاكرة.
ولهذا أقول بوضوح:
موريتانيا إفريقية في موقعها، عربية في لغتها وثقافتها وذاكرتها الحضارية، إسلامية في مرجعيتها، وصحراوية في مجالها التاريخي.
القارة تحدد المكان، لكنها لا تحدد وحدها الحضارة.
فليكن الحوار حواراً حول الحقيقة، لا مفاوضةً على الهوية.