النرجسية السياسية: حين تصبح السلطة مرآة للذات

النرجسية في أصلها ليست مجرد إعجاب الإنسان بنفسه؛ إنها، في صورتها العميقة، اختلال في علاقة الذات بالحقيقة. فالإنسان السوي يستطيع أن يرى نفسه بما له وما عليه، أما النرجسي فيحتاج إلى أن يرى نفسه كما يريد أن يكون، ثم يسعى إلى حمل الآخرين والواقع على تصديق هذه الصورة.
ومن هنا يبدأ الخطر حين تصل النرجسية إلى السلطة.
فالسلطة تمنح صاحبها قدرة استثنائية على التأثير في الواقع؛ فإذا كان واثقًا من نفسه جعلها وسيلة للإنجاز، وإذا كان نرجسيًا قد يجعل الإنجاز وسيلة لتعظيم الذات، ثم يجعل الدولة نفسها مرآة لهذه الذات.
وهنا تتغير العلاقة بالحقيقة: فالخبر الذي لا يوافق الصورة يصبح خبرًا سيئًا، والناقد يتحول إلى خصم، والمستقل إلى مصدر ريبة، والمصفق إلى شاهد على الصواب. ومع الوقت لا يعود الحاكم محاطًا بالمعلومات التي يحتاجها، وإنما بالمعلومات التي يستطيع احتمالها.
وهذه أخطر لحظة في النرجسية السياسية: حين لا يعود صاحب القرار يرفض الحقيقة لأنها خاطئة، بل لأنها تهدد صورته عن نفسه.
ومن هنا لا تكفي قوة الشخصية معيارًا للقيادة. فالقائد القوي يستطيع أن يسمع «لا»، والطموح يتقبل نجاح غيره، والكاريزماتي يجعل مشروعه أكبر من شخصه؛ أما النرجسي فيميل إلى جعل شخصه مركز المشروع، ومقياس الولاء، وربما معيار الوطنية نفسها.
وقد شهد التاريخ الحديث صورًا واضحة لشخصنة السلطة، من ستالين إلى النظام السياسي في كوريا الشمالية، حيث تحول تمجيد الزعيم إلى جزء من بنية النظام. وليس المقصود هنا إصدار تشخيص نفسي لأشخاص بعينهم، وإنما بيان ما يحدث عندما تتحول الذات السياسية إلى مؤسسة فوق المؤسسات.
غير أن النرجسية لا تحتاج إلى تمجيد علني حتى تصبح خطرة؛ فقد تعمل بصورة أكثر نعومة: تقريب الموالين، إبعاد المستقلين، تقديم الولاء على الكفاءة، تضييق دائرة المشورة، ثم إنتاج بيئة لا يسمع فيها الحاكم إلا صدى نفسه.
وهنا تصبح المسألة أعمق من أخلاق الحاكم؛ إنها مسألة فلسفة نظام الحكم.
فالدولة التي تعتمد على فضائل الفرد معرضة لتغير الفرد، أما الدولة التي تعتمد على القانون والمؤسسات فتستطيع أن تستمر وتتراكم. ولذلك فالسؤال الأهم ليس: هل الحاكم نرجسي؟ وإنما: هل تملك الدولة مؤسسات تستطيع الحد من آثار النرجسية، إن وُجدت؟
وتزداد أهمية السؤال في الدول التي تعاقبت على قيادتها شخصيات من مرجعيات مدنية وعسكرية مختلفة، حيث قد تختلط الثقة بالنفس والطموح المشروع بالنرجسية المرضية، فتضطرب معايير الاختيار، ويتقدم الولاء على الكفاءة، ويصبح القرب من مركز القرار مصدرًا للنفوذ. وعندما يحدث ذلك، لا تعود المشكلة في شخص واحد، بل في بنية تسمح بتحويل الولاء الشخصي إلى معيار من معايير الدولة.
شهادة
ومن واقع تجربة مهنية في الإدارة والدبلوماسية خلال عهود رئاسية متعاقبة، تعلمت أن الفارق الحقيقي في ممارسة السلطة لا تحدده قوة الشخصية، وإنما علاقة الحاكم بالمؤسسة، وبالمخالف، وبالحقيقة.
وقد وجدت في الرئيس الذي افتتح عهده بروح العفو والانفتاح، مستلهمًا المقولة النبوية: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وانتهج مسافة واحدة من المعارضة والتطرف والمطبلين والانتهازيين، سلوكًا لا أراه منسجمًا مع النمط النرجسي؛ إذ لم يجعل الاختلاف معيارًا للعداء، ولا المديح معيارًا للولاء.
لكن الدرس الأهم ليس في الأشخاص، وإنما في المؤسسات: ما قد يحققه حاكم متوازن بحسن تقديره ينبغي أن يتحول إلى قواعد دائمة لا تتوقف على حسن تقدير من يأتي بعده.
فدولة القانون لا تفترض حاكمًا معصومًا من الخطأ، وإنما مؤسسات تستطيع أن تقول له: أخطأت، دون أن تصبح عدوًا للدولة.
وهنا يكمن التحصين الحقيقي: أن تكون الدولة أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أرسخ من المزاج، والكفاءة مقدمة على الولاء، والقانون ضامنًا للاستمرارية.
فالاستمرارية لا تعني تأبيد الأشخاص، كما أن تغيير الأشخاص لا يقتضي هدم ما راكمته الدولة؛ وإنما المطلوب استمرار المشروع الوطني، وتراكم المنجز، وتجديد الشرعية وفق القانون.
وهذه هي المعادلة: لا شخصنة للدولة باسم الاستمرارية، ولا قطيعة مع المنجز باسم التغيير؛ بل استمرارية مؤسسية تجعل الدولة تتقدم، أيًّا كان من يتولى قيادتها.