المأمورية الثالثة وصناعة المستقبل حين يصبح الفراغ السياسي أخطر من الخلاف الدستوري

لم تعد الدعوة إلى مأمورية ثالثة لفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد مبادرات ظرفية أو أصوات متفرقة. فقد امتدت إلى عدد كبير من الولايات والمقاطعات والبلديات، وأصبحت، بما رافقها من تحركات ومواقف، ظاهرة سياسية لا يجوز لحزب الإنصاف، قبل غيره، أن يتعامل معها باعتبارها مجرد هتاف انتخابي عابر.
ولا يعني ذلك أن اتساع المطالبة يحسم المسألة الدستورية، ولا أن الكثرة السياسية تستطيع تجاوز النص، وإنما يعني أن هناك إرادة سياسية واجتماعية معلنة يجب أن تجد مكانها في الحوار الوطني، وأن تُناقش حججها ومآلاتها، بدلاً من إسقاطها من جدول الأعمال قبل أن يبدأ الحوار.
لكن الخطر الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده ليس في أن يطالب فريق بالمأمورية الثالثة، أو أن يرفضها فريق آخر؛ فالاختلاف السياسي طبيعي، بل هو جوهر السياسة.
الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف حول المأمورية إلى مشروع لإعادة ترتيب المشهد السياسي برمته قبل أوانه.
من مطالبة الرئيس بعدم الترشح إلى تحصين النص تحصيناً سياسياً
تطالب بعض القوى المعارضة، بصورة متزايدة، بأن يعلن رئيس الجمهورية أنه لن يترشح لمأمورية ثالثة، لا لمجرد اتخاذ موقف سياسي، وإنما مع تقديم هذا الامتناع باعتباره تعبيراً عن احترام الدستور.
وهنا ينبغي التوقف.
فإذا اختار الرئيس، بإرادته الحرة وفي الوقت الذي يراه مناسباً، ألا يترشح، فذلك قراره السياسي الذي ينبغي احترامه.
أما أن يصبح المطلوب منه أن يصدر الآن إعلاناً سياسياً يربط عدم ترشحه باحترام الدستور، فإن المسألة تأخذ بعداً آخر؛ إذ قد يتحول إعلان الرئيس نفسه إلى مرجعية سياسية وأخلاقية لتفسير النصوص الدستورية، وإلى سند إضافي لما يسمى بتحصين المواد المتعلقة بالمأموريات، بما يتجاوز القوة القانونية التي يمنحها لها الدستور أصلاً.
وهذا أمر ينبغي ألا يستهان به.
فالنص الدستوري لا يحتاج إلى شهادة سياسية من رئيس الجمهورية لكي يكون ملزماً، كما أن حصانة النص ــ إن كانت ثابتة ــ لا تزداد قوة بإعلان سياسي.
الدستور يحصن النص، لا الرئيس.
ومن ثم فإن تحويل قرار سياسي شخصي إلى إقرار دستوري سابق لأوانه قد يغلق باباً للنقاش قبل أن يبدأ، ويجعل الحوار الوطني أمام نتيجة سبق أن أُعلنت باسم الدستور.
المشكلة ليست في احترام الدستور، وإنما في مصادرة النقاش باسمه
لا أحد يستطيع أن يجادل في وجوب احترام الدستور.
لكن احترام الدستور لا يعني منع النقاش الدستوري.
بل إن من مقتضيات دولة القانون أن تناقش النصوص، وأن تحدد دلالاتها، وأن يميز الفقه الدستوري بين النصوص العادية والنصوص المحصنة، وبين حدود السلطة التأسيسية المشتقة والقيود التي تفرضها النصوص نفسها.
فإذا كان هناك مانع دستوري مطلق، فليقل الدستور كلمته.
وإذا كان هناك خلاف في تفسيره، فليُناقش الخلاف.
وإذا كانت هناك أحكام لا تقبل المراجعة، فلتُحدد بدقة طبيعة حصانتها ونطاقها وآثارها.
أما أن يُطلب من الرئيس أن يحسم المسألة بإعلان شخصي قبل أن يصل النقاش إلى نهايته، فذلك ليس هو الاحتكام إلى الدستور، وإنما استباق للدستور بالحكم السياسي.
ثم ماذا بعد إخراج الرئيس من المنافسة؟
هنا تبدأ المسألة الأكثر عمقاً.
لنفترض أن الرئيس أعلن عدم ترشحه.
هل تنتهي القضية عند هذا الحد؟
على الأرجح لا.
سيظهر السؤال التالي: هل سيبقى للرئيس، بعد أن أعلن عدم ترشحه، الحق في دعم شخصية سياسية يراها امتداداً لمشروعه؟ أم سيُطلب منه أن يكون محايداً تماماً؟
والفرق بين الأمرين جوهري.
حياد أجهزة الدولة ومؤسساتها في الانتخابات واجب لا خلاف عليه.
أما تحويل رئيس الجمهورية، بمجرد عدم ترشحه، إلى شخصية ينبغي أن تنسحب من التأثير السياسي، وأن تمتنع عن دعم أي مشروع أو شخصية، فذلك يتجاوز مفهوم حياد الدولة إلى تحييد الرئيس نفسه.
وقد يكون من الطبيعي، في هذه الحالة، أن تبرز شخصية من داخل مؤسسة الرئاسة أو من داخل التيار السياسي الذي حكم البلاد خلال المرحلة الحالية، وتحظى بدعم سياسي من الرئيس أو من القوى التي شاركته مشروعه.
وهذا، من حيث المبدأ، جزء من المنافسة السياسية المشروعة، ما دام يتم خارج استخدام أجهزة الدولة وبعيداً عن مخالفة القانون.
لكن إذا جرى منع هذا الامتداد السياسي مسبقاً، فإن النتيجة ستكون واضحة: إخلاء المجال السياسي من أي امتداد طبيعي للسلطة القائمة، وترك الساحة مفتوحة لإعادة تركيبها من خارجها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من المأمورية الثالثة.
من تحييد الرئيس إلى إعادة تشكيل مؤسسات المستقبل
وقد يتطور الأمر، في سياق المطالبة بضمان «الحياد»، إلى الحديث عن المجلس الدستوري، واللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وسائر المؤسسات ذات الصلة بالاستحقاق المقبل.
ولا أحد يعترض على إصلاح المؤسسات إذا كان الإصلاح ضرورياً، ولا على مراجعة أدائها إذا أثبتت التجربة حاجتها إلى ذلك.
لكن هناك فارقاً خطيراً بين إصلاح المؤسسة لأنها تحتاج إلى إصلاح، وبين إعادة تشكيلها لأن انتخابات مقبلة تقترب.
فالسؤال عندئذ لا يعود: كيف نضمن حياد المؤسسات؟
وإنما يصبح:
من سيعيد تشكيل هذه المؤسسات؟ وبأي معايير؟ ولأي غرض؟
وإذا أصبح المطلوب أن يصنع الرئيس، في نهاية ولايته، ترتيبات مؤسسية تضمن حياداً يريده خصومه، ثم أن ينسحب سياسياً، ثم ألا يدعم امتداداً لمشروعه، فإننا نكون أمام مفارقة تاريخية: الرئيس الذي يملك أدوات المرحلة بحكم الدستور يصبح مطالباً باستخدامها لإنتاج مرحلة سياسية لا يكون طرفاً فيها.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
وهنا ينبغي أن يخاف حزب الإنصاف، ولكن من الفراغ لا من المعارضة
إن حزب الإنصاف مطالب بأن يقرأ المشهد أبعد من السؤال المباشر: هل نحن مع المأمورية الثالثة أم ضدها؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث إذا أُخرجت القوة السياسية القائمة من معادلة المستقبل قبل أن تنتهي ولايتها؟
فالسياسة لا تعرف الفراغ.
إذا تراجع تيار منظم، واسع الامتداد، وموجود في البرلمان والمجالس المحلية ومؤسسات الدولة، فإن المجال الذي يتركه لا يبقى خالياً بالضرورة؛ بل تملؤه القوى الأكثر تنظيماً، والأكثر وضوحاً في مشروعها، والأشد قدرة على استثمار الفراغ.
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون المخاوف من تمدد اليسار الراديكالي أو من أي تيار أيديولوجي شديد التنظيم مخاوف سياسية مشروعة، لا خطاباً تخوينياً.
فالخطر ليس في أن يكون اليساري يسارياً، ولا في أن تكون له أفكاره؛ فهذا جزء من التعدد السياسي.
الخطر هو أن يؤدي تفكك التوازن السياسي القائم، وإفراغ الساحة من القوى الوسطية والوطنية ذات الامتداد الاجتماعي، إلى منح تيار أيديولوجي منظم قدرة على التأثير في صناعة القرار تفوق بكثير حجمه الحقيقي في المجتمع أو في صناديق الاقتراع.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا تغفل عنه موريتانيا.
فالدول الهشة لا تخشى فقط الانقلابات أو الأزمات الاقتصادية؛ تخشى أيضاً التحولات السياسية غير المحسوبة التي تبدأ بإعادة ترتيب صغيرة وتنتهي بتغيير موازين الدولة والمجتمع.
موريتانيا ليست بحاجة إلى فراغ سياسي
ليس في تاريخ موريتانيا الحديث تقليد راسخ لرأي عام مؤسسي قوي يستطيع دائماً أن يؤدي وظيفة صمام الأمان في مراحل التحول.
وقد مرت البلاد بمنعطفات شديدة، وكان المجتمع في كثير من الأحيان أسرع إلى الصمت أو التكيف منه إلى إنتاج ضغط شعبي منظم ومستمر.
ولهذا فإن الرهان على أن المجتمع سيصحح تلقائياً أي اختلال في ميزان القوة السياسية رهان غير مأمون.
الاستقرار في بلد كهذا لا يعني منع التغيير، وإنما يعني إدارة التغيير قبل أن يتحول إلى فراغ، وإدارة الانتقال قبل أن يتحول إلى صراع على من يملك الدولة.
ومن هنا فإن إخراج رئيس قائم من الحسابات السياسية قبل انتهاء ولايته، ثم فتح الطريق لإعادة بناء الخريطة السياسية والمؤسساتية من الصفر، ليس مجرد تمرين ديمقراطي بريء؛ فقد تكون له آثار بعيدة المدى لا تظهر في لحظة اتخاذ القرار.
حزب الإنصاف: هذه لحظة المسؤولية لا لحظة التردد
وهنا أعود إلى حزب الإنصاف.
إن الحزب أمام مسؤولية تتجاوز الدفاع عن مأمورية ثالثة.
إن عليه أن يدافع عن حق الحوار في أن يكون حواراً، وعن حق المطالب الشعبية في أن تعرض، وعن حق رئيس الجمهورية في أن يتخذ قراراته بنفسه، وعن حق مؤسسات الدولة في أن تكمل ولايتها دون أن تتحول إلى أدوات في إعادة هندسة الاستحقاق المقبل.
وعليه، قبل كل شيء، ألا يسمح بأن تتحول علاقته بالرئيس إلى مجرد تأييد رمزي.
فالوفاء السياسي الحقيقي لا يكون بالتصفيق للرئيس عندما تكون شعبيته مرتفعة، وإنما بالقدرة على حماية المشروع السياسي الذي جاء به إلى السلطة من أن يُفكك قبل أوانه.
وإذا كان الحزب قد لمس انتشار الدعوة إلى المأمورية الثالثة في مختلف أنحاء البلاد، فإن عليه أن يحمل هذا المطلب إلى الحوار الوطني بوضوح.
لا ليحسمه.
ولا ليفرضه.
وإنما لكي لا يُحسم ضده قبل أن يناقش.
وعليه أيضاً أن يرفض تحويل الرئيس إلى مجرد ضامن لحياد سياسي قد ينتهي إلى إلغاء حقه في التأثير، وأن يرفض أن يصبح إصلاح المؤسسات الدستورية والانتخابية مرادفاً لإعادة تركيبها وفقاً لحسابات انتخابية مسبقة.
لا نريد رئيساً يختار خليفته، ولا رئيساً يُمنع من أن يكون له موقف
المعادلة الصحيحة أكثر توازناً.
لا نريد رئيساً يستخدم الدولة لصناعة خليفته.
ولا نريد في المقابل رئيساً يُجرد من حقه السياسي في أن يكون له رأي في من سيحكم البلاد بعده.
لا نريد انتخابات تديرها الإدارة لصالح السلطة.
ولا نريد انتخابات تعاد هندسة مؤسساتها لإضعاف أي امتداد سياسي للسلطة القائمة.
لا نريد مأمورية ثالثة مفروضة خارج الدستور.
ولا نريد أيضاً أن تصبح «قدسية الدستور» ذريعة لإنهاء النقاش قبل أن يبدأ.
هذه هي المنطقة الوسطى التي ينبغي أن يدافع عنها حزب الإنصاف.
أخطر ما يمكن أن يحدث
إن أخطر سيناريو ليس بالضرورة أن يفوز هذا الطرف أو ذاك في انتخابات 2029.
الانتخابات بطبيعتها تحتمل الفوز والخسارة.
الخطر أن تُعاد صياغة شروط المنافسة نفسها قبل أن تبدأ المنافسة.
أن يُخرج الرئيس من الحسابات.
ثم يُمنع الامتداد الطبيعي لمشروعه.
ثم يُطلب منه الحياد بمعناه الأوسع.
ثم تُفتح ورشة إعادة تشكيل المؤسسات.
ثم تدخل البلاد انتخابات جديدة وقد تغيرت قواعد اللعبة وموازين القوى قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
عندها لا يكون الشعب هو الذي اختار المستقبل وحده؛ بل يكون المستقبل قد صيغت شروطه مسبقاً.
وهنا تكمن مسؤولية حزب الإنصاف.
الخلاصة
ليس المطلوب من حزب الإنصاف أن يخاف من المعارضة، ولا أن يصورها باعتبارها عدواً للدولة؛ فالمعارضة جزء من الدولة الديمقراطية.
المطلوب أن يخاف من الفراغ السياسي.
وأن يخاف من أن يؤدي تفكك التوازن القائم إلى صعود تيارات أكثر أيديولوجية وتنظيماً وقدرة على التأثير من حجمها الاجتماعي الحقيقي.
وأن يخاف من أن تتحول الدعوة إلى احترام الدستور إلى آلية لتحصين تفسير سياسي للدستور.
وأن يخاف من أن يتحول حياد الدولة إلى تحييد للرئيس.
وأن يتحول إصلاح المؤسسات إلى إعادة هندسة لها.
وأن يتحول الحوار الوطني إلى مجرد تصديق على مخرجات صيغت قبل انعقاده.
إن حزب الإنصاف لا يملك أن يقرر وحده من سيكون رئيس موريتانيا سنة 2029، كما لا تملك المعارضة أن تقرر ذلك وحدها.
الشعب هو الذي يقرر، والدستور هو الذي يحدد الإطار، والمؤسسات هي التي تضمن سلامة المسار، والحوار هو الذي ينبغي أن يكشف التوافقات لا أن يخفي القرارات المسبقة.
أما إخراج الرئيس من المشهد قبل انتهاء مأموريته، وإفراغ مؤسسة الرئاسة من امتدادها السياسي، ثم إعادة ترتيب المؤسسات وقواعد المنافسة، فهو مخاطرة لا تحتاج موريتانيا إلى اختبارها.
وفي بلد لم يتكون فيه بعد رأي عام مؤسسي قادر دائماً على امتصاص الصدمات السياسية، فإن الحكمة ليست في صناعة الفراغ ثم انتظار المجتمع لملئه.
الحكمة أن يبقى المشهد ممتلئاً بالمؤسسات، وبالتوازنات، وبالتعدد، وبالحوار؛ حتى يأتي يوم الانتخابات، فيختار الموريتانيون مستقبلهم بأنفسهم، لا أن يجدوا أنفسهم أمام مستقبل اختيرت شروطه قبل أن يُطلب منهم الاختيار.
لم تعد الدعوة إلى مأمورية ثالثة لفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد مبادرات ظرفية أو أصوات متفرقة. فقد امتدت إلى عدد كبير من الولايات والمقاطعات والبلديات، وأصبحت، بما رافقها من تحركات ومواقف، ظاهرة سياسية لا يجوز لحزب الإنصاف، قبل غيره، أن يتعامل معها باعتبارها مجرد هتاف انتخابي عابر.
ولا يعني ذلك أن اتساع المطالبة يحسم المسألة الدستورية، ولا أن الكثرة السياسية تستطيع تجاوز النص، وإنما يعني أن هناك إرادة سياسية واجتماعية معلنة يجب أن تجد مكانها في الحوار الوطني، وأن تُناقش حججها ومآلاتها، بدلاً من إسقاطها من جدول الأعمال قبل أن يبدأ الحوار.
لكن الخطر الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده ليس في أن يطالب فريق بالمأمورية الثالثة، أو أن يرفضها فريق آخر؛ فالاختلاف السياسي طبيعي، بل هو جوهر السياسة.
الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف حول المأمورية إلى مشروع لإعادة ترتيب المشهد السياسي برمته قبل أوانه.
من مطالبة الرئيس بعدم الترشح إلى تحصين النص تحصيناً سياسياً
تطالب بعض القوى المعارضة، بصورة متزايدة، بأن يعلن رئيس الجمهورية أنه لن يترشح لمأمورية ثالثة، لا لمجرد اتخاذ موقف سياسي، وإنما مع تقديم هذا الامتناع باعتباره تعبيراً عن احترام الدستور.
وهنا ينبغي التوقف.
فإذا اختار الرئيس، بإرادته الحرة وفي الوقت الذي يراه مناسباً، ألا يترشح، فذلك قراره السياسي الذي ينبغي احترامه.
أما أن يصبح المطلوب منه أن يصدر الآن إعلاناً سياسياً يربط عدم ترشحه باحترام الدستور، فإن المسألة تأخذ بعداً آخر؛ إذ قد يتحول إعلان الرئيس نفسه إلى مرجعية سياسية وأخلاقية لتفسير النصوص الدستورية، وإلى سند إضافي لما يسمى بتحصين المواد المتعلقة بالمأموريات، بما يتجاوز القوة القانونية التي يمنحها لها الدستور أصلاً.
وهذا أمر ينبغي ألا يستهان به.
فالنص الدستوري لا يحتاج إلى شهادة سياسية من رئيس الجمهورية لكي يكون ملزماً، كما أن حصانة النص ــ إن كانت ثابتة ــ لا تزداد قوة بإعلان سياسي.
الدستور يحصن النص، لا الرئيس.
ومن ثم فإن تحويل قرار سياسي شخصي إلى إقرار دستوري سابق لأوانه قد يغلق باباً للنقاش قبل أن يبدأ، ويجعل الحوار الوطني أمام نتيجة سبق أن أُعلنت باسم الدستور.
المشكلة ليست في احترام الدستور، وإنما في مصادرة النقاش باسمه
لا أحد يستطيع أن يجادل في وجوب احترام الدستور.
لكن احترام الدستور لا يعني منع النقاش الدستوري.
بل إن من مقتضيات دولة القانون أن تناقش النصوص، وأن تحدد دلالاتها، وأن يميز الفقه الدستوري بين النصوص العادية والنصوص المحصنة، وبين حدود السلطة التأسيسية المشتقة والقيود التي تفرضها النصوص نفسها.
فإذا كان هناك مانع دستوري مطلق، فليقل الدستور كلمته.
وإذا كان هناك خلاف في تفسيره، فليُناقش الخلاف.
وإذا كانت هناك أحكام لا تقبل المراجعة، فلتُحدد بدقة طبيعة حصانتها ونطاقها وآثارها.
أما أن يُطلب من الرئيس أن يحسم المسألة بإعلان شخصي قبل أن يصل النقاش إلى نهايته، فذلك ليس هو الاحتكام إلى الدستور، وإنما استباق للدستور بالحكم السياسي.
ثم ماذا بعد إخراج الرئيس من المنافسة؟
هنا تبدأ المسألة الأكثر عمقاً.
لنفترض أن الرئيس أعلن عدم ترشحه.
هل تنتهي القضية عند هذا الحد؟
على الأرجح لا.
سيظهر السؤال التالي: هل سيبقى للرئيس، بعد أن أعلن عدم ترشحه، الحق في دعم شخصية سياسية يراها امتداداً لمشروعه؟ أم سيُطلب منه أن يكون محايداً تماماً؟
والفرق بين الأمرين جوهري.
حياد أجهزة الدولة ومؤسساتها في الانتخابات واجب لا خلاف عليه.
أما تحويل رئيس الجمهورية، بمجرد عدم ترشحه، إلى شخصية ينبغي أن تنسحب من التأثير السياسي، وأن تمتنع عن دعم أي مشروع أو شخصية، فذلك يتجاوز مفهوم حياد الدولة إلى تحييد الرئيس نفسه.
وقد يكون من الطبيعي، في هذه الحالة، أن تبرز شخصية من داخل مؤسسة الرئاسة أو من داخل التيار السياسي الذي حكم البلاد خلال المرحلة الحالية، وتحظى بدعم سياسي من الرئيس أو من القوى التي شاركته مشروعه.
وهذا، من حيث المبدأ، جزء من المنافسة السياسية المشروعة، ما دام يتم خارج استخدام أجهزة الدولة وبعيداً عن مخالفة القانون.
لكن إذا جرى منع هذا الامتداد السياسي مسبقاً، فإن النتيجة ستكون واضحة: إخلاء المجال السياسي من أي امتداد طبيعي للسلطة القائمة، وترك الساحة مفتوحة لإعادة تركيبها من خارجها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من المأمورية الثالثة.
من تحييد الرئيس إلى إعادة تشكيل مؤسسات المستقبل
وقد يتطور الأمر، في سياق المطالبة بضمان «الحياد»، إلى الحديث عن المجلس الدستوري، واللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، وسائر المؤسسات ذات الصلة بالاستحقاق المقبل.
ولا أحد يعترض على إصلاح المؤسسات إذا كان الإصلاح ضرورياً، ولا على مراجعة أدائها إذا أثبتت التجربة حاجتها إلى ذلك.
لكن هناك فارقاً خطيراً بين إصلاح المؤسسة لأنها تحتاج إلى إصلاح، وبين إعادة تشكيلها لأن انتخابات مقبلة تقترب.
فالسؤال عندئذ لا يعود: كيف نضمن حياد المؤسسات؟
وإنما يصبح:
من سيعيد تشكيل هذه المؤسسات؟ وبأي معايير؟ ولأي غرض؟
وإذا أصبح المطلوب أن يصنع الرئيس، في نهاية ولايته، ترتيبات مؤسسية تضمن حياداً يريده خصومه، ثم أن ينسحب سياسياً، ثم ألا يدعم امتداداً لمشروعه، فإننا نكون أمام مفارقة تاريخية: الرئيس الذي يملك أدوات المرحلة بحكم الدستور يصبح مطالباً باستخدامها لإنتاج مرحلة سياسية لا يكون طرفاً فيها.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
وهنا ينبغي أن يخاف حزب الإنصاف، ولكن من الفراغ لا من المعارضة
إن حزب الإنصاف مطالب بأن يقرأ المشهد أبعد من السؤال المباشر: هل نحن مع المأمورية الثالثة أم ضدها؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث إذا أُخرجت القوة السياسية القائمة من معادلة المستقبل قبل أن تنتهي ولايتها؟
فالسياسة لا تعرف الفراغ.
إذا تراجع تيار منظم، واسع الامتداد، وموجود في البرلمان والمجالس المحلية ومؤسسات الدولة، فإن المجال الذي يتركه لا يبقى خالياً بالضرورة؛ بل تملؤه القوى الأكثر تنظيماً، والأكثر وضوحاً في مشروعها، والأشد قدرة على استثمار الفراغ.
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون المخاوف من تمدد اليسار الراديكالي أو من أي تيار أيديولوجي شديد التنظيم مخاوف سياسية مشروعة، لا خطاباً تخوينياً.
فالخطر ليس في أن يكون اليساري يسارياً، ولا في أن تكون له أفكاره؛ فهذا جزء من التعدد السياسي.
الخطر هو أن يؤدي تفكك التوازن السياسي القائم، وإفراغ الساحة من القوى الوسطية والوطنية ذات الامتداد الاجتماعي، إلى منح تيار أيديولوجي منظم قدرة على التأثير في صناعة القرار تفوق بكثير حجمه الحقيقي في المجتمع أو في صناديق الاقتراع.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا تغفل عنه موريتانيا.
فالدول الهشة لا تخشى فقط الانقلابات أو الأزمات الاقتصادية؛ تخشى أيضاً التحولات السياسية غير المحسوبة التي تبدأ بإعادة ترتيب صغيرة وتنتهي بتغيير موازين الدولة والمجتمع.
موريتانيا ليست بحاجة إلى فراغ سياسي
ليس في تاريخ موريتانيا الحديث تقليد راسخ لرأي عام مؤسسي قوي يستطيع دائماً أن يؤدي وظيفة صمام الأمان في مراحل التحول.
وقد مرت البلاد بمنعطفات شديدة، وكان المجتمع في كثير من الأحيان أسرع إلى الصمت أو التكيف منه إلى إنتاج ضغط شعبي منظم ومستمر.
ولهذا فإن الرهان على أن المجتمع سيصحح تلقائياً أي اختلال في ميزان القوة السياسية رهان غير مأمون.
الاستقرار في بلد كهذا لا يعني منع التغيير، وإنما يعني إدارة التغيير قبل أن يتحول إلى فراغ، وإدارة الانتقال قبل أن يتحول إلى صراع على من يملك الدولة.
ومن هنا فإن إخراج رئيس قائم من الحسابات السياسية قبل انتهاء ولايته، ثم فتح الطريق لإعادة بناء الخريطة السياسية والمؤسساتية من الصفر، ليس مجرد تمرين ديمقراطي بريء؛ فقد تكون له آثار بعيدة المدى لا تظهر في لحظة اتخاذ القرار.
حزب الإنصاف: هذه لحظة المسؤولية لا لحظة التردد
وهنا أعود إلى حزب الإنصاف.
إن الحزب أمام مسؤولية تتجاوز الدفاع عن مأمورية ثالثة.
إن عليه أن يدافع عن حق الحوار في أن يكون حواراً، وعن حق المطالب الشعبية في أن تعرض، وعن حق رئيس الجمهورية في أن يتخذ قراراته بنفسه، وعن حق مؤسسات الدولة في أن تكمل ولايتها دون أن تتحول إلى أدوات في إعادة هندسة الاستحقاق المقبل.
وعليه، قبل كل شيء، ألا يسمح بأن تتحول علاقته بالرئيس إلى مجرد تأييد رمزي.
فالوفاء السياسي الحقيقي لا يكون بالتصفيق للرئيس عندما تكون شعبيته مرتفعة، وإنما بالقدرة على حماية المشروع السياسي الذي جاء به إلى السلطة من أن يُفكك قبل أوانه.
وإذا كان الحزب قد لمس انتشار الدعوة إلى المأمورية الثالثة في مختلف أنحاء البلاد، فإن عليه أن يحمل هذا المطلب إلى الحوار الوطني بوضوح.
لا ليحسمه.
ولا ليفرضه.
وإنما لكي لا يُحسم ضده قبل أن يناقش.
وعليه أيضاً أن يرفض تحويل الرئيس إلى مجرد ضامن لحياد سياسي قد ينتهي إلى إلغاء حقه في التأثير، وأن يرفض أن يصبح إصلاح المؤسسات الدستورية والانتخابية مرادفاً لإعادة تركيبها وفقاً لحسابات انتخابية مسبقة.
لا نريد رئيساً يختار خليفته، ولا رئيساً يُمنع من أن يكون له موقف
المعادلة الصحيحة أكثر توازناً.
لا نريد رئيساً يستخدم الدولة لصناعة خليفته.
ولا نريد في المقابل رئيساً يُجرد من حقه السياسي في أن يكون له رأي في من سيحكم البلاد بعده.
لا نريد انتخابات تديرها الإدارة لصالح السلطة.
ولا نريد انتخابات تعاد هندسة مؤسساتها لإضعاف أي امتداد سياسي للسلطة القائمة.
لا نريد مأمورية ثالثة مفروضة خارج الدستور.
ولا نريد أيضاً أن تصبح «قدسية الدستور» ذريعة لإنهاء النقاش قبل أن يبدأ.
هذه هي المنطقة الوسطى التي ينبغي أن يدافع عنها حزب الإنصاف.
أخطر ما يمكن أن يحدث
إن أخطر سيناريو ليس بالضرورة أن يفوز هذا الطرف أو ذاك في انتخابات 2029.
الانتخابات بطبيعتها تحتمل الفوز والخسارة.
الخطر أن تُعاد صياغة شروط المنافسة نفسها قبل أن تبدأ المنافسة.
أن يُخرج الرئيس من الحسابات.
ثم يُمنع الامتداد الطبيعي لمشروعه.
ثم يُطلب منه الحياد بمعناه الأوسع.
ثم تُفتح ورشة إعادة تشكيل المؤسسات.
ثم تدخل البلاد انتخابات جديدة وقد تغيرت قواعد اللعبة وموازين القوى قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
عندها لا يكون الشعب هو الذي اختار المستقبل وحده؛ بل يكون المستقبل قد صيغت شروطه مسبقاً.
وهنا تكمن مسؤولية حزب الإنصاف.
الخلاصة
ليس المطلوب من حزب الإنصاف أن يخاف من المعارضة، ولا أن يصورها باعتبارها عدواً للدولة؛ فالمعارضة جزء من الدولة الديمقراطية.
المطلوب أن يخاف من الفراغ السياسي.
وأن يخاف من أن يؤدي تفكك التوازن القائم إلى صعود تيارات أكثر أيديولوجية وتنظيماً وقدرة على التأثير من حجمها الاجتماعي الحقيقي.
وأن يخاف من أن تتحول الدعوة إلى احترام الدستور إلى آلية لتحصين تفسير سياسي للدستور.
وأن يخاف من أن يتحول حياد الدولة إلى تحييد للرئيس.
وأن يتحول إصلاح المؤسسات إلى إعادة هندسة لها.
وأن يتحول الحوار الوطني إلى مجرد تصديق على مخرجات صيغت قبل انعقاده.
إن حزب الإنصاف لا يملك أن يقرر وحده من سيكون رئيس موريتانيا سنة 2029، كما لا تملك المعارضة أن تقرر ذلك وحدها.
الشعب هو الذي يقرر، والدستور هو الذي يحدد الإطار، والمؤسسات هي التي تضمن سلامة المسار، والحوار هو الذي ينبغي أن يكشف التوافقات لا أن يخفي القرارات المسبقة.
أما إخراج الرئيس من المشهد قبل انتهاء مأموريته، وإفراغ مؤسسة الرئاسة من امتدادها السياسي، ثم إعادة ترتيب المؤسسات وقواعد المنافسة، فهو مخاطرة لا تحتاج موريتانيا إلى اختبارها.
وفي بلد لم يتكون فيه بعد رأي عام مؤسسي قادر دائماً على امتصاص الصدمات السياسية، فإن الحكمة ليست في صناعة الفراغ ثم انتظار المجتمع لملئه.
الحكمة أن يبقى المشهد ممتلئاً بالمؤسسات، وبالتوازنات، وبالتعدد، وبالحوار؛ حتى يأتي يوم الانتخابات، فيختار الموريتانيون مستقبلهم بأنفسهم، لا أن يجدوا أنفسهم أمام مستقبل اختيرت شروطه قبل أن يُطلب منهم الاختيار.