
إن جوهر بناء الدولة الحديثة لا يقوم على استقرار و صلابة مؤسساتها السياسية و الادارية الفوقية فحسب، بل يرتكز بالأساس على العقد الاجتماعي الرابط بين المواطن وهذه المؤسسات،
و هو عقد يستمد ديمومته من الثقة المتبادلة و المسؤولية الأخلاقية.
و مع ذلك يواجه العمل السياسي المعاصر أزمة بنيوية حادة عندما تتحول شعرات الإصلاح إلي مجرد واجهة تسويقية تهدف فقط إلي إعادة تدوير النخب و الوجوه ذاتها التي تسببت في الأزمات السابقة.
خاصة عندما يرى الشارع أن من يقود إصلاحات اليوم هم أنفسهم من هندسوا إخفاقات الأمس،
حينها يتأكد جليا أن فاقد الشيئ لا يعطيه ،
هذا التناقض الصارخ يصدم الوعي الجمعي و يفقد النظم السياسية شرعيتها الأخلاقية و يسقط المجتمع في فخ الإحباط ،
و يُولد قناعة عامة بأن التغيير مستحيل، و أن البرامج الإصلاحية المطروحة ليست سوى أدوات تسويقية لتبرير استمرار الوضع القائم،
حيث يؤدي غياب مبدأ الثواب و العقاب إلي إعفاء المسؤولين من التبعات الأخلاقية والقانونية لقراراتهم ،
هذا المناخ يولد قناعة عامة بعدم جدوى الفعل السياسي أو الانتخابي، مما يرفع نسب المقاطعة السياسية.
في هذا السياق تفرغ التعددية السياسية من مضمونها ،
ليتراجع العمل الحزبي من فضاء لإنتاج الأفكار والكفاءات إلى مجرد تمرين شكلي في الولاء والتموقع اللوجستي والمصلحي الضيق.
تنعكس هذه الممارسات و السلوكيات السياسية سلباً على مفهومين أساسيين في الفكر السياسي الحديث:
1 - شلل بناء الدولة : تتعطل مسارات التنمية الحقيقية، حيث تُبنى الخطط على أسس هشة ,
تحمي مصالح النخب المتنفذة بدلاً من المصلحة العامة، مما يضعف كفاءة المؤسسات ويفقدها هيبتها.
2 - تراجع المواطنة الفاعلة : تتحول المواطنة من سلوك إيجابي يقوم على الواجب و الحق والشراكة في صنع القرار، إلى مجرد رابطة قانونية جافة بحيث يحل الاحباط واللامبالاة محل الرغبة في التغيير،
مما يدفع الكفاءات الوطنية لإيجاد مخرج عبر الهجرة أو الانكفاء على الذات ،
إن محاولة بناء دولة المؤسسات بعقلية التموقع السياسي و إقصاء معايير الكفاءة والمحاسبة لن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الحاكم والمحكوم. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الشعارات الفضفاضة بل يمر حتماً عبر تجديد حقيقي للدماء السياسية و تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للمواطن كشريك أساسي في صياغة الحاضر و المستقبل .
بالطبع أزمة بناء الدولة في موريتانيا ليست أزمة نصوص أو دساتير، بل هي في عمقها أزمة فكرة لم تكتمل بعد في الوعي الجمعي. منذ الاستقلال و حتى اليوم، تعاقبت الأنظمة وتغيرت الحكومات وظل السؤال الملحّ ، هل نجحنا في تحويل المجتمع بتعددية مكوناته إلى دولة يتساوى فيها الجميع ؟
إن الإجابة تكمن في ترسيخ مفهوم المواطنة كعقد قانوني و أخلاقي يتجاوز الانتماءات الضيقة ،
حينما تعم وتسود ثقافة الولاء القبلي، والجهوي، والفئوي و تنافس بقوة هيبة القانون ومؤسسات الدولة. وعندما تتقدم القبيلة أو الشريحة على حساب الكفاءة ،
فأعلم أن الدولة ستتحول في نظر الكثيرين إلى غنيمة تسعى كل جهة لامتلاكها،
بدلاً من كونها مظلة جامعة تحمي الجميع.
إن بناء موريتانيا الحديثة والمستقرة لا يحتاج إلى منطق الغلبة السياسية ،
بل يحتاج إلى شراكة حقيقية تصهر التنوع الثقافي و الاجتماعي الفريد (العربي والإفريقي) في بوتقة واحدة. المواطنة هنا ليست مجرد شعار، بل هي المعيار الوحيد الذي يستمد منه الموريتاني قيمته وحقوقه، بعيداً عن خلفيته الاجتماعية أو قربه من دوائر صنع القرار.
عندما نصل إلى مرحلة يؤمن فيها الجميع بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها و أن السلطة وظيفة لخدمة المجتمع لا وسيلة لتمكين فئة على حساب أخرى، ستتحول الإستحقاقات الإنتخابية من حلبة صراع وتخوف إلى أداة للتناوب السلمي والاستقرار
إن فكرة المواطنة الجامعة هي الجسر الوحيد الذي سيعبر بموريتانيا من توازنات التقليد إلى رحاب الدولة المؤسساتية الحديثة ليس إلا !!
حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة .

