
«لا تُصحّح لأحد سوء ظنه بك، فقد قرر ألا يراك شيئًا».
ليست هذه العبارة مجرد حكمة في العلاقات الإنسانية؛ فهي تصلح، إلى حد بعيد، لوصف جانب من السجال السياسي والفكري الذي عرفته موريتانيا، حيث يتحول الحكم المسبق أحيانًا إلى عدسة لا ترى من خلالها بعض التيارات في العروبة إلا العنصرية، وفي القومية العربية إلا الإقصاء، وفي الدفاع عن الهوية العربية تهديدًا للوحدة الوطنية.
والدافع إلى الحديث عن هذه المسألة اليوم ليس استعادة سجال قديم، وإنما ما يثار في إطار ما يسمى بالحوار الوطني من أفكار ومقترحات يُخشى أن تنتقل من مستوى النقاش السياسي إلى مستوى إعادة صياغة بعض ثوابت الدولة والمجتمع.
ففي جزء من الخطاب اليساري، ومعه بعض الخطابات المرتبطة بقضايا الأقليات، يبدو أحيانًا أن المطلوب ليس معالجة مظالم تاريخية أو تصحيح اختلالات اجتماعية، وهو مطلب مشروع لا خلاف عليه، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين مكونات المجتمع على أساس سردية تجعل من العرب البيظان جماعة مهيمنة، ومن العروبة مشروعًا إقصائيًا، ثم تجعل من التخلي التدريجي عن بعض عناصر الهوية العربية شرطًا غير معلن لتحقيق الوحدة الوطنية.
وهنا ينبغي التوقف.
فالوحدة الوطنية لا يمكن أن تقوم على مطالبة مكوّن بالتنازل عن هويته ولغته وتاريخه حتى يشعر الآخرون بالأمان. كما أن الاعتراف بالمكونات الوطنية الأخرى لا يستلزم إنكار الهوية العربية لموريتانيا. فالهوية ليست امتيازًا يمنح لفئة وينزع من أخرى، والمواطنة أوسع من الانتماءات الثقافية، والدولة العادلة هي التي تحمي الجميع دون أن تطلب من أحد أن يتنكر لنفسه.
ومن أكثر ما يثير القلق أن يمتد هذا التصور إلى المسألة اللغوية، بحيث تصبح العربية، وهي اللغة الرسمية للدولة، موضع مراجعة سياسية، أو يجري التفكير في إحلال لهجة محلية غير مدونة محلها في بعض المجالات. فالتعدد اللغوي يمكن أن يكون مصدر غنى وطني، لكن تحويل اللغة الرسمية إلى موضوع للمساومة السياسية شيء آخر؛ لأنه يمس إحدى ركائز الدولة وهويتها الدستورية.
والأمر نفسه ينطبق على قراءة التاريخ.
فالاعتراف بالمظالم التاريخية واجب، ومعالجة آثار العبودية والتمييز ضرورة أخلاقية وقانونية، لكن هناك فارقًا هائلًا بين معالجة مظلمة تاريخية وبين تحويلها إلى سردية جامعة تختزل مجتمعًا بأكمله في تهمة، أو تنقل المسؤولية من أفعال محددة إلى جماعة بشرية بأكملها.
ومن هنا فإن الحديث عن احتمال توصيف موريتانيا باعتبارها «دولة فصل عنصري» تسيطر فيها أقلية عربية مستوطنة قدمت من المغرب والجزائر، لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد توصيف سياسي بريء. فهو ادعاء تاريخي وديموغرافي كبير يحتاج إلى أدلة، ولا يجوز أن يتحول إلى حقيقة سياسية بمجرد تكراره.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين نتذكر أن سؤال الهوية في موريتانيا لم يُحسم ديموغرافيًا بالقدر الذي يسمح بإغلاق باب الجدل. فبدل أن نترك المجال للروايات المتنافسة والأرقام المتضاربة، أليس من حق الموريتانيين أن يعرفوا، بصورة علمية وشفافة: من نحن؟ وما حقيقة تركيبتنا السكانية واللغوية والثقافية؟
إن الإحصاء السكاني الشفاف ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل وسيلة لحمايتها. فالمجتمع الذي يعرف تركيبته لا يحتاج إلى اختراعها، والدولة التي تثق بمواطنيها لا ينبغي أن تخشى من معرفة واقعها الديموغرافي.
ثم تأتي مسألة أخرى أكثر حساسية: المأموريات الرئاسية.
من اللافت أن تتوافق مختلف الأطراف المشاركة في الحوار، أو يبدو أنها تتوافق، على إبقاء هذه المسألة خارج دائرة النقاش، رغم أنها من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل النظام السياسي. لكن الصمت عن قضية لا يعني بالضرورة انتهاءها. وقد يكون أحيانًا مجرد تأجيل لها إلى لحظة أخرى.
فماذا لو ارتفعت، داخل المجتمع أو داخل المشاركين في الحوار، نسبة المطالبين بمأمورية جديدة؟ هل يصبح طرح المسألة عندئذٍ خروجًا على الحوار، أم أن الحوار، إذا كان وطنيًا حقًا، يفترض أن يسمح بمناقشة كل القضايا التي يرى المجتمع أنها تمس مستقبله؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن يُطلب من رئيس الجمهورية، تحت عنوان «تصحيح مسار الحوار» أو الاستجابة لمخرجاته، أن يتراجع عن موقف سياسي سابق أو أن يفتح الباب أمام تعديل قواعد المأموريات، وكأن المطلوب منه أن يحفر قبر تجربته السياسية بيده حتى يكسب رضا المتحاورين.
هذا لا يعني الدعوة إلى مأمورية جديدة، ولا يعني رفضها؛ فهذه قضية دستورية وسياسية ينبغي أن تناقش بصراحة. لكن ما ينبغي رفضه هو أن تتحول المأمورية إلى ورقة خفية داخل حوار يفترض أنه علني، أو أن يُستدرج رئيس الجمهورية إلى قرار مصيري تحت ضغط توافق غير معلن.
لأن المسألة في النهاية ليست شخص الرئيس وحده، وإنما ما قد يترتب على إعادة تشكيل قواعد النظام السياسي في مرحلة تتداخل فيها أسئلة السلطة مع أسئلة الهوية والذاكرة واللغة والهجرة.
ومن حق أن يخشى البعض أن يؤدي تراكم هذه الملفات، إذا عولجت بمنطق الصراع لا بمنطق المصالحة، إلى قيام مرحلة سياسية جديدة تجعل من محاكمة الماضي مشروعًا دائمًا، وتنتقل من محاسبة الأفعال إلى محاكمة الجماعات، ومن معالجة آثار العبودية إلى إدانة البيظان جماعيًا، ومن حماية حقوق المواطنين إلى توظيف الهجرة في إعادة تشكيل التوازنات الديموغرافية والهوية الوطنية.
لكن هذه المخاوف ينبغي أن تبقى في دائرة التحذير السياسي لا الاتهام المسبق؛ فليس من الإنصاف أن ننسب إلى الحوار أو المشاركين فيه مشروعًا خفيًا لا نستطيع إثباته. وإنما المطلوب هو ضمانات واضحة تمنع أي تحول من هذا النوع، أيًا كان الطرف الذي قد يسعى إليه.
فالعدالة لا تعني محاكمة جماعة على أساس انتمائها، ومحاربة العبودية لا تعني تحويل البيظان إلى متهم جماعي، ومحاربة التمييز لا تعني محاربة العربية، والدفاع عن العربية لا يعني إنكار حقوق المكونات الأخرى، كما أن التعددية لا تعني إعادة تعريف هوية الدولة وفق التحولات الديموغرافية الطارئة.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال المركزي للحوار الوطني أوسع من سؤال السلطة والمأموريات:
أي موريتانيا نريد أن نبني؟
موريتانيا التي تتصالح مع ماضيها دون أن تجعل أبناء الحاضر أسرى له؛ وتحارب الظلم دون أن تستبدل ظلمًا بظلم؛ وتحمي العربية دون أن تنكر التعدد؛ وتصون حقوق جميع مواطنيها دون أن تجعل الهوية تهمة سياسية؛ وتحتكم في مسائل السكان والتاريخ واللغة إلى العلم والوثيقة والقانون، لا إلى الروايات الأيديولوجية.
إن الحوار الوطني الحقيقي لا ينبغي أن يكون طريقًا يقود المجتمع إلى نتيجة مرسومة سلفًا، ولا وسيلة لإعادة هندسة هوية البلد تحت ضغط اللحظة السياسية. بل ينبغي أن يكون فضاءً تُطرح فيه الأسئلة الكبرى بشجاعة، وتُناقش فيه المأموريات كما تناقش اللغة والعبودية والهجرة والهوية، ويعرف فيه الموريتانيون بوضوح ما الذي يراد تغييره، وما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا، وما الضمانات التي تمنع أن يتحول تصحيح اختلال تاريخي إلى اختلال جديد.
فالمأمورية ليست وحدها القضية، والهوية ليست وحدها القضية، والعبودية ليست وحدها القضية.
القضية الأعمق هي ألا يستيقظ الموريتانيون ذات يوم ليكتشفوا أن الحوار الذي قيل لهم إنه لتوسيع التوافق قد أصبح، من حيث لا يشعرون، وسيلة لإعادة تعريف الدولة نفسها.
