«بلسان قومه»... العربية بين الوحي والذاكرة والحضارة

قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4].
ليست هذه الآية اليوم مجرد آية نتأمل فيها معنى اللغة والبيان، وإنما تفرض علينا سؤالًا حضاريًا شديد الراهنية: ما الذي يعنيه أن يختار الله لرسوله لسان قومه؟
المعنى المباشر الذي قرره المفسرون أن الله أرسل كل رسول بلغة قومه حتى يفهموا عنه، وتقوم عليهم الحجة، ويزول الالتباس. وهذا هو الأصل الذي لا ينبغي تجاوزه.
لكن التأمل في الآية يفتح أمامنا أفقًا أوسع؛ فاللغة ليست مجموعة مفردات وقواعد فحسب، وإنما هي ذاكرة الجماعة، ووعاء تجربتها، وطريقة تعبيرها عن القيم والمشاعر والمفاهيم، وأداة تواصلها في البيت والسوق والمسجد والمجلس والحرب والسلم.
ومن هنا لا يكون الحديث عن «لسان القوم» حديثًا عن الكلمات وحدها، وإنما عن البيئة الإنسانية التي تجعل لهذه الكلمات معناها.
ولا يعني ذلك أن نقول إن «اللسان» في الآية يساوي العادات والتقاليد والسلوك الاجتماعي؛ فهذا توسع في الاستنباط وليس هو التفسير اللغوي المباشر للآية. لكن يمكن القول إن اللغة تحمل شيئًا من عالم أصحابها الحضاري، وأن فهم اللسان يقتضي، إلى حد بعيد، فهم البيئة التي نشأ فيها.
وهنا تبدأ أهمية المسألة العربية.
الإسلام لم يقتلع العرب من شخصيتهم
لم ينزل الإسلام على أمة بلا تاريخ ولا مروءة ولا تقاليد.
كان العرب قبل الإسلام أصحاب لغة بالغة الثراء، وشعر وخطابة، وأنساب، وأسواق، ومواثيق، وأعراف، ومفاهيم في الكرم والنجدة والجوار وحماية المستجير والوفاء بالعهد.
وكانت أسواقهم، ومن أشهرها سوق عكاظ، أكثر من أماكن للبيع والشراء؛ كانت فضاءات للكلمة والشعر والخطابة والمنافسة الأدبية والاجتماعية.
ولم يأت الإسلام ليقول للعرب: تخلوا عن كل ما كنتم عليه لأنكم كنتم في الجاهلية.
بل جاء بمنهج أدق وأعمق:
أبطل الباطل، وأبقى الخير، وهذّب العرف، وربط المروءة بالتقوى والعدل.
فأبقى الكرم، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد، والجوار، وإغاثة الملهوف، وحماية المستجير، وأبطل الشرك والظلم والعصبية الجاهلية والربا وسائر ما يناقض مقاصد الشرع.
ولهذا يمكن فهم الإسلام باعتباره لم يمحُ الشخصية العربية، وإنما نقلها من طور الجاهلية إلى طور الرسالة.
فالكرم الذي كان فضيلة قبل الإسلام أصبح في الإسلام بابًا من أبواب الأجر.
والوفاء بالعهد لم يعد مجرد خصلة قبلية، وإنما أصبح التزامًا دينيًا وأخلاقيًا.
والشجاعة لم تعد وسيلة للغلبة والثأر، وإنما أصبحت قوة في نصرة الحق ودفع الظلم.
والنخوة لم تعد عصبية للقبيلة، وإنما أمكن أن تتحول إلى نجدة للمظلوم وحماية للضعيف.
وهكذا لم يأت الإسلام ليهدم كل ما في البيئة العربية، وإنما جاء ليعيد ترتيب سلم القيم فيها.
العربية: من لسان القبيلة إلى لسان الوحي
ثم جاءت النقلة الكبرى.
ذلك اللسان العربي الذي كان يُسمع في الأسواق والمجالس والبوادي، أصبح لسان القرآن.
والكلمة التي كانت أداة للشعر والخطابة والمفاخرات أصبحت تحمل الوحي الإلهي.
واللغة التي كانت تجمع القبائل على اختلاف لهجاتها أصبحت لغة الصلاة والقرآن والخطبة والعلم والقضاء.
قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ۝ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 192-195].
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: نعم، الإسلام رسالة للعالمين، لكن الرسالة العالمية لم تنزل بلغة عالمية مجردة؛ نزلت بلغة عربية محددة، على نبي عربي، في مجتمع عربي، ومن أرض عربية.
هذه ليست مسألة عنصرية ولا تفضيلًا عرقيًا، وإنما حقيقة تاريخية ودينية لا يصح محوها باسم العالمية.
فالعالمية لا تعني إلغاء نقطة الانطلاق.
وكما أن الإسلام لا يحتاج إلى محو فارس أو مصر أو المغرب أو إفريقيا لكي يكون عالميًا، فإنه لا يحتاج كذلك إلى محو العربية لكي يكون رسالة للناس كافة.
الوليد بن المغيرة... حين هزّ القرآن لسان العرب ووجدانهم
ولعل من أبلغ الشواهد على قوة الصلة بين اللسان والبيان والأثر الحضاري ما ترويه كتب السيرة والتفسير عن الوليد بن المغيرة، أحد أفصح قريش وأشدها إدراكًا لخصائص الكلام العربي.
كان الوليد من وجوه قريش، وكانت قريش تعرف منزلته في معرفة الشعر والكلام وتمييز أساليبه. فلما اشتد أمر الدعوة الإسلامية، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتروي الروايات أن النبي قرأ عليه شيئًا من القرآن، فسمع كلامًا هزّه وأثر فيه.
ثم عاد إلى قومه وقد تغير حاله، ولاحظت قريش أثر ما سمع.
وتروي كتب السيرة والتفسير أنه وصف القرآن بعبارات مشهورة، منها:
«إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه».
وهنا تكمن المفارقة.
كان الوليد يعرف كلام العرب معرفة الخبير، فلم يكن القرآن بالنسبة إليه كلامًا غريبًا لا يفهمه؛ بل كان يسمع العربية التي يعرفها ويتذوقها ويميز دقائقها، ومع ذلك وجد فيها من الخصائص والجمال والسلطان ما لم يعهده في كلام البشر.
وقد سجل القرآن أثر ذلك الصراع النفسي في قوله تعالى:
**﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ۝ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝ ثُمَّ نَظَرَ ۝ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ۝ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ۝ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ۝ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 18-25].
وقد اختلفت الروايات في تفاصيل الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم والوليد، وفي مقدار ما يصح من الألفاظ المنقولة عنه، لكن المعنى الذي تلتقي عليه كتب السيرة والتفسير واضح: أن القرآن واجه الذائقة العربية من داخل لغتها، ثم تجاوز المألوف في البيان العربي إلى مستوى عجز العرب عن الإتيان بمثله.
وهذا هو أحد أسرار الإعجاز القرآني: أن القرآن لم يأتِ بلغة أجنبية يستمد منها غرابته، وإنما جاء بلسان عربي مبين، ثم تجاوز المألوف في البيان العربي إلى مستوى لم يستطع العرب، وهم أهل الفصاحة والبيان، أن يأتوا بمثله.
ولهذا لم يكن موقف قريش من القرآن موقف قوم لم يفهموا ما يسمعون؛ بل كان، في جانب منه، موقف قوم فهموا وأدركوا وتأثروا، ثم حاولوا صرف الناس عن أثره.
ويكفي أن القرآن نفسه سجل قولهم:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
إنهم لم يقولوا: لا تفهموه، وإنما قالوا: لا تسمعوا.
والفرق عميق.
كانوا يدركون أن المشكلة ليست في وصول الكلمات إلى عقول السامعين، وإنما في أن تصل إلى قلوبهم.
ومن هنا يصبح «اللسان» في قوله تعالى:
﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾
أكثر من مجرد وسيلة تقنية لنقل المعلومات.
إنه اللسان الذي يفهمه السامع، ويستحضر إيحاءاته، ويتذوق جماله، ويدرك ظلاله، ويعرف مواضع قوته.
فالبيان القرآني خاطب العربي من داخل عالمه اللغوي، لكنه لم يبقَ أسير ذلك العالم؛ بل ارتفع به إلى عالم آخر.
وهنا ربما نفهم جانبًا من عظمة الإسلام في علاقته بالعربية:
لم يحتج الوحي إلى أن يهدم اللسان العربي لكي يغير العرب؛ بل استخدم اللسان نفسه ليعيد بناء الإنسان العربي.
ومن ثم انتقلت العربية، بفضل القرآن، من كونها لغة قبائل وشعر وأسواق ومفاخرات إلى أن تصبح لغة عقيدة وعبادة وتشريع وفكر وحضارة.
ولذلك كانت العربية جزءًا من حفظ البيان
من اللافت أن القرآن نفسه يربط بين اللسان والبيان:
﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.
فاللسان وسيلة البيان.
وحين يكون النص المؤسس للأمة بلغة معينة، يصبح الحفاظ على هذه اللغة جزءًا من الحفاظ على القدرة على فهم ذلك النص في لغته الأصلية.
ولهذا لم يكن اهتمام الصحابة بالعربية ترفًا أدبيًا.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحث على تعلم العربية والتفقه فيها، واشتهرت عنه عبارات في ذلك؛ لأن فساد اللسان قد يتجاوز فساد الذوق إلى فساد الفهم، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالقرآن والحديث.
وحين وقع الاختلاف في القراءة في عهد عثمان رضي الله عنه، اتخذ المسلمون خطوة تاريخية كبرى لجمع الناس على المصحف، وقال عثمان للرهط القرشيين عند الاختلاف:
«فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم».
وهذه الواقعة تكشف مقدار الصلة التي كانت قائمة في وعي الجيل الأول بين سلامة النص وسلامة اللسان الذي نزل به.
ولم تكن العربية لغة المسجد وحده
من الخطأ أن نتصور أن العربية التي حفظها الإسلام كانت لغة القرآن وحده.
لقد ظلت لغة المجتمع في حياته اليومية: في السوق، والمجلس، والقضاء، والحرب، والصلح، والشعر، والخطابة، والرسائل، والمعاهدات.
بل إن الإسلام نفسه لم ينقل العرب من لغة الحياة إلى لغة دينية مصطنعة؛ وإنما جعل لغة الحياة نفسها قادرة على حمل الوحي.
وهذه نقطة مهمة في موضوعنا.
فاللغة لا تحيا لأنها موجودة في المصحف فقط، وإنما تحيا حين يتحدث بها الناس، ويكتبون بها، ويتعلمون بها، ويتفاوضون بها، ويتصالحون بها، ويختلفون بها، ويعبّرون بها عن أفراحهم وأحزانهم، ويصوغون بها مستقبلهم.
ولهذا فإن تحويل العربية إلى لغة احتفالية لا يسمعها الناس إلا في الخطب والصلوات لا يكفي لحمايتها.
فاللغة التي تنسحب من الحياة اليومية تبدأ بفقدان قدرتها على إنتاج الحضارة.
هل يعني ذلك تقديس كل ما هو عربي؟
لا.
وهنا ينبغي التفريق بين العروبة الثقافية واللغوية وبين العصبية الجاهلية.
الإسلام لم يجعل كل ما هو عربي حقًا، كما لم يجعل كل ما هو غير عربي باطلًا.
المعيار هو الحق والعدل والفطرة ومقاصد الشرع.
لكن هذا لا يعني أن علينا أن نتعامل مع العروبة كما لو كانت عارًا تاريخيًا ينبغي التخلص منه.
فالعربية التي اختارها الله لغة للقرآن ليست مجرد لهجة قبلية انقضى دورها بنزول الوحي، وإنما أصبحت لغة أمة وحضارة وكتاب.
والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه عربي، من قريش، والرسالة الأولى خرجت من العرب، وحملت معها العرب من إطار القبيلة إلى فضاء الأمة.
ومن هنا يمكن فهم ما ورد في التراث من تعظيم صلة النبي بالعرب، ومن ذلك ما روي في محبة العرب وذم عداوتهم، وما اشتهر من قوله صلى الله عليه وسلم في معنى صلته بالعرب، تأكيدًا لانتسابه إليهم وصلتهم به.
ولا ينبغي أن يُفهم ذلك في سياق العصبية الجاهلية أو احتقار غير العرب، وإنما في سياق الانتساب النبوي إلى قومه، وصلته بالبيئة التي خرجت منها الرسالة.
فالرسول لم يكن غريبًا عن العرب، بل كان منهم وإليهم، وكان القرآن يخاطبهم أولًا بلسانهم ومفاهيمهم، ثم خرجت الرسالة من بينهم إلى العالم.
ومن هنا فإن الدفاع عن العربية لا يعني عداء الأعاجم، كما أن الاعتزاز بالعرب لا يعني احتقار غير العرب.
إنما المشكلة تبدأ حين يتحول رفض العروبة إلى رفض لتاريخ طويل صنعته اللغة والدين والثقافة.
العرف بين الجاهلية والإسلام
وهنا نصل إلى قاعدة شديدة الأهمية في فهم الحضارة الإسلامية.
الإسلام لم ينظر إلى الأعراف نظرة واحدة.
فالعرف الذي يخالف نصًا أو عدلًا أو مقصدًا شرعيًا أبطله.
والعرف الذي ينسجم مع الشرع أو لا يتعارض معه أبقاه.
وهذا من الأصول التي توسع فيها الفقه الإسلامي في بحث العرف والعادة.
ومن ثم لا يصح أن ننظر إلى المجتمع العربي بعد الإسلام وكأنه مجتمع جديد انقطعت صلته بكل ما قبله؛ بل الصحيح أنه مجتمع استمراري ومتطور: احتفظ بجزء من ذاكرته، وأسقط ما يناقض الرسالة، وأعاد تفسير كثير من القيم في ضوء التوحيد والعدل.
وهذا بالضبط ما يمكن أن نستأنس به في فهم «لسان القوم» في بعده الحضاري.
فاللغة تحفظ أسماء الأشياء، لكنها تحفظ معها طريقة المجتمع في النظر إليها.
وحين تتغير اللغة أو تُقصى عن الحياة العامة، لا تتغير الألفاظ وحدها؛ قد تتغير معها بعض خرائط الذاكرة والوعي. والذى يهمنا في موريتانيا اليوم؟ ان تنتقل المسألة من التأمل القرآني إلى الواقع.
يدور اليوم في أروقة الحوار التمهيدي نقاش حاد حول اللغة العربية، والذي يصل عند بعض الطروحات إلى المطالبة بإلغاء صفتها اللغة اللغة الرسمية للبلاد أو إعادة النظر في موقعها الدستوري.
وهذا النقاش لا يمكن اختزاله في خلاف إداري حول لغة الإدارة أو التعليم.
فموريتانيا ليست بلدًا عربي اللسان بسبب قرار إداري حديث.
إنها أرض تشكل تعريبها وإسلامها عبر قرون طويلة، وتداخل فيها الإسلام واللغة العربية والتكوين الثقافي والاجتماعي حتى أصبح من المتعذر فصل أحدها عن الآخر.
لقد عرفت هذه البلاد العربية والإسلام قرونًا قبل قيام الدولة الحديثة، وقبل ظهور الدستور، وقبل أن تضع الإدارة الاستعمارية أو الوطنية تعريفاتها الحديثة للهوية واللغة همزة الوصل السيئة السمعة .
ولهذا فإن السؤال عن العربية في موريتانيا ليس:
أي لغة او لهجة غير مكتوبة نختار للإدارة؟
فقط.
بل هو سؤال أعمق:
هل نريد أن نتعامل مع تاريخ تشكل المجتمع الموريتاني بوصفه تراثًا قابلًا للإلغاء بقرار سياسي، أم بوصفه حقيقة حضارية ينبغي أن تدخل في حسابات الدولة الحديثة؟
يمكن أن نناقش تطوير التعليم، وإتقان اللغات الأجنبية، وتحسين الإدارة، وكل ذلك مشروع ومطلوب.
لكن شيء آخر تمامًا أن يتحول تطوير التعليم اللغوي إلى انتقاص من العربية أو محاولة لإخراجها من موقعها التاريخي والدستوري.

ومن الإنصاف العلمي كذلك ألا نخلط بين مفهوم اللغة ومفهوم اللهجة.
فوجود أنماط كلام محلية، وما تختزنه من مفردات وتعبيرات وخصوصيات شفوية، أمر طبيعي في أغلب المجتمعات، وله قيمته في دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي.
لكن استعمال مصطلح «لغة» في بعض الدراسات اللسانية الحديثة لا يعني بالضرورة أن هذه اللهجات أصبحت مساوية للعربية الفصحى في الوضع التاريخي أو الوظيفة الحضارية أو التراث المكتوب أو المكانة الدينية أو القدرة المؤسسية.
فاللغة المعيارية التي لها نظام كتابي مستقر، وتراث أدبي وعلمي متراكم، ومؤسسات تعليمية وقضائية وإدارية، ليست في الوضع نفسه للهجة شفوية غير مكتوبة ، حتى لو كانت الأخيرة جديرة بالدراسة والحفظ والاحترام.
وهذا التفريق ليس انتقاصًا من أحد، بل هو ضرورة حتى لا يتحول المصطلح اللساني إلى أداة لإعادة صياغة التاريخ.
ومن ثم فإن الاعتراف بخصوصيات النطق والتعبير المحلي لا يستلزم أن نعيد تعريف التاريخ اللغوي للبلاد، ولا أن نجعل كل نمط شفهي قائمًا في منزلة العربية التي صاغت العلم والدين والأدب والإدارة في هذه البلاد عبر قرون.
لا يجوز أن تتحول السياسة اللغوية إلى معركة ضد الذاكرة
إن أخطر ما في بعض النقاشات المعاصرة ليس الدعوة إلى تعلم لغة أخرى؛ فاللغات الحية ثروة، وتعلمها قوة.
الخطر هو أن تتحول اللغة إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ.
فإذا جرى تقديم العربية في موريتانيا باعتبارها وافدًا حديثًا، أو جرى اختزال حضورها في مرحلة سياسية محددة، فإن الأمر لا يعود متعلقًا باللغة وحدها، بل يصبح محاولة لإعادة تعريف الذاكرة الجماعية.
ومهما كانت نسبة التنوع الاجتماعي الذي عرفته البلاد عبر تاريخها وعززه المستعمر اثناء الاحتلال وما عقب ذلك من هجرات استيطانية ، فإنه لا يغير حقيقة أن العربية هي اللسان الذي تشكلت به الحياة الدينية والعلمية والثقافية العامة في موريتانيا عبر قرون، وأنها اللغة الرسمية التي نص عليها الدستور.
وليس من الإنصاف العلمي أن تتحول اللهجات وأنماط الكلام المحلية، وهي جزء من التراث الشفهي، إلى ذريعة لمساواتها بالعربية في المكانة التاريخية أو الوظيفة الحضارية أو الوضع اللغوي.
إن القضية إذن ليست صراعًا بين لغة ولهجات تتنافس على موقع واحد، كما قد توحي بعض الصياغات السياسية المعاصرة، وإنما هي قضية دولة لها تاريخ لغوي وثقافي محدد، تستطيع أن ترعى تراثها الاجتماعي دون أن تعيد كتابة تاريخها مشوها
أو تنتقص من مكانة العربية.
وفي هذا السياق يصبح «بلسان قومه» أكثر من دلالة

فالآية تضع أمامنا قاعدة إنسانية عميقة:
لا يمكن بناء علاقة سليمة مع شعب إذا جرى احتقار لسانه أو اقتلاع ذاكرته أو التعامل مع لغته كأنها عيب ينبغي التخلص منه.
وليس المقصود بذلك أن تنغلق الأمة على لغتها.
يمكن للأمة أن تتعلم اللغات الأجنبية، وأن تستفيد من علوم العالم كلها، دون أن تتخلى عن لغتها.
بل إن الأمة الواثقة من نفسها هي التي تستطيع أن تفتح أبوابها للعالم من دون أن تطرد لغتها من بيتها.
العربية في عصر الذكاء الاصطناعي
ولعل عصر الذكاء الاصطناعي يمنحنا فرصة جديدة لإعادة طرح السؤال.
فالآلة تستطيع أن تترجم بين اللغات في ثوان، لكن الترجمة شيء، ونقل الحمولة الحضارية للغة شيء آخر.
يمكن ترجمة الكلمة، لكن ترجمة الذاكرة التي تسكن خلف الكلمة أكثر تعقيدًا.
ومن ثم فإن الحفاظ على العربية لا ينبغي أن يكون مجرد حراسة للماضي، وإنما ينبغي أن يكون عملًا على جعلها قادرة على إنتاج المعرفة والفكر والإبداع، وعلى استيعاب العلوم والتقنيات الحديثة.
فاللغة التي حملت الوحي، وحملت شعر العرب وأخبارهم وفقههم وعلومهم، قادرة على حمل أسئلة العصر أيضًا، إذا وجدت أهلها قادرين على استخدامها في صناعة المستقبل.
كلمة أخيرة
إن الدفاع عن العربية في موريتانيا لا ينبغي أن يكون دفاعًا عن تعصب عرقي، ولا حربًا على اللغات الحية واللهجات الشفهية ، ولا رفضًا لأي مكوّن اجتماعي مهما تواضعت نسبته .
إنه دفاع عن ذاكرة تاريخية وثقافية ودينية تشكلت عبر قرون.
وحين يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾
فإن الآية لا تجعل لغة قوم الرسول دينًا على بقية الأمم، لكنها تذكرنا بحقيقة لا ينبغي أن ننساها:
أن الرسالة تبدأ من الإنسان حيث هو، بلسانه وذاكرته وعالمه، ثم ترتفع به إلى آفاق أوسع.
وهذا ما فعله الإسلام مع العرب.
لم يمحُ عربيّتهم، وإنما هذّبها.
لم يقتل مروءتهم، وإنما أكملها.
لم يلغ لغتهم، وإنما جعلها لسان الوحي الخاتم.
ثم حملهم بهذه اللغة إلى العالم.
ولذلك فإن من حق العربي أن يعتز بلغته دون أن يحتقر غيره، ومن حق الموريتاني على الخصوص وهو المستهدف فى هويته أن يتمسك بعربيته دون أن يعادي أحدًا، ومن حق الدولة أن ترعى تراثها الاجتماعي والثقافي دون أن تتنكر للسان الذي تشكلت به ذاكرتها الإسلامية والحضارية.
فاالهجات قد تتعدد، لكن الذاكرة لا ينبغي أن تُمحى.
والعالمية الحقيقية ليست أن نتخلى عن خصوصيتنا لكي نشبه الآخرين؛ وإنما أن نكون قادرين على أن ندخل العالم بوجهنا، ولساننا، وذاكرتنا، وثقتنا بأنفسنا.