المرجعية الإسلامية والعلمانية: أيهما يؤسس لدولة العدل

ليس السؤال الحقيقي: هل تكون الدولة إسلامية أم علمانية؟ وإنما السؤال الأعمق هو: من أين تستمد السلطة شرعيتها، ولأي غاية تمارس سلطانها؟ فالدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق العدل وصيانة الحقوق وحماية كرامة الإنسان.
لقد نشأت العلمانية الأوروبية في سياق تاريخي خاص فرضته هيمنة الكنيسة على المجالين الديني والسياسي، فكان الفصل بين السلطتين علاجًا لمرض تاريخي محدد. أما تحويل ذلك العلاج إلى قانون كوني يصلح لكل الحضارات، فهو تعميم لا يسنده التاريخ ولا المنهج؛ إذ لا تُستنسخ التجارب خارج ظروفها.
ولم يعرف الإسلام، في تاريخه العقدي، سلطة كهنوتية تحتكر الخلاص أو تمنح نفسها حق التحدث باسم الله على نحو معصوم. ولم يجعل الخليفة أو السلطان فوق المساءلة، بل قرر أن الطاعة مقيدة بالمعروف، وأن العدل هو أساس الملك، وأن الأمة تملك حق النصيحة والمحاسبة، وأن الظلم سبب سقوط الدول مهما رفعت من شعارات دينية.
ومن هنا فإن المرجعية الإسلامية ليست حكمًا لرجال الدين، وإنما حكمٌ للمبادئ التي جاء بها الوحي: العدل، والحرية، والشورى، وحفظ الكرامة الإنسانية، وصيانة الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة. فالشريعة ليست منافسًا للدستور، وإنما هي الإطار القيمي الذي يمنح التشريع غايته الأخلاقية والإنسانية.
ويُثار أحيانًا أن سيادة الشريعة تتعارض مع سيادة الأمة، وهذا ناشئ من الخلط بين السيادة وممارسة السلطة. فالمرجعية الإسلامية تجعل المبادئ العليا للعدل والحقوق مرجعًا للتشريع، أما السلطة السياسية فإن الأمة هي التي تمنحها، وهي التي تراقبها، وهي التي تستطيع تغييرها بالوسائل الدستورية. فالحاكم لا يستمد شرعيته من نسبه، ولا من قداسة شخصه، ولا من تفويض إلهي، وإنما من رضا الأمة والتزامه بأحكام الدستور والقانون وتحقيقه للمصلحة العامة.
ولهذا فإن الدولة الإسلامية، في مفهومها الدستوري، ليست دولة ثيوقراطية، وليست كذلك دولة تنكر الدين أو تعزله عن المجال العام، بل هي دولة مدنية في مؤسساتها، إسلامية في مرجعيتها القيمية، يحتكم فيها الجميع إلى القانون، ويخضع فيها الحاكم والمحكوم لرقابة القضاء، وتُصان فيها الحقوق والحريات في إطار النظام العام والثوابت الدستورية.
وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا في موريتانيا، حيث لا يمثل الإسلام مجرد دين للأغلبية، بل هو الركيزة التاريخية التي تشكلت حولها هوية المجتمع والدولة. فالفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتراث العلمي للمحاظر، ليست مجرد موروثات ثقافية، وإنما هي البنية التي صاغت الضمير الجمعي ورسخت مفهوم العدالة والشرعية عبر قرون. ومن ثم فإن أي مشروع دستوري يتجاهل هذه الحقيقة لا يصطدم بالنصوص وحدها، بل يصطدم بالوجدان الوطني ذاته.
إن التجارب الدستورية الناجحة لا تُبنى على استنساخ نماذج أجنبية، وإنما على التوفيق بين الثوابت الحضارية ومتطلبات العصر. ولذلك فإن مستقبل موريتانيا لا يكمن في إقصاء المرجعية الإسلامية، ولا في تجميد الاجتهاد، وإنما في إقامة دولة قانون حديثة، تستلهم مقاصد الشريعة في تحقيق العدل، وتستفيد من التجربة الإنسانية في بناء المؤسسات، وترسخ استقلال القضاء، وتكفل الحقوق والحريات، وتجعل الكفاءة والنزاهة أساسًا لتولي المسؤولية.
فالمرجعية الإسلامية ليست عبئًا على الدولة، وإنما هي مصدر مشروعيتها الأخلاقية. وإذا كان القانون ينظم سلوك الأفراد، فإن المرجعية الإسلامية تهذب الضمير الذي يطبق القانون. وإذا كانت الدولة تحمي المجتمع بالعقوبة، فإن الدين يحميه بالوازع الأخلاقي. وما اجتمع سلطان القانون وسلطان الضمير في أمة إلا كانت أقرب إلى الاستقرار والعدل من أمة اكتفت بأحدهما دون الآخر.
ومن ثم فإن القضية ليست صراعًا بين الإسلام والدولة الحديثة، بل هي صراع بين رؤيتين: رؤية تجعل الإنسان محور التشريع دون مرجعية تعلو إرادة الأغلبية، ورؤية تجعل الحرية والسلطة معًا خاضعتين لقيم العدل التي لا تتبدل بتبدل المصالح أو موازين القوة. وهذه هي الرسالة التي تجعل المرجعية الإسلامية، في نظر المؤمنين بها، ليست بقايا من الماضي، بل ضمانة أخلاقية لمستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.