الحرية التي تكشف الحقيقة: دفاعٌ من تحت الطاولة عن قانون الرموز

تمهيد
الحرية هي التي تعطيك الحقيقة لتظهر على حقيقتك؛ فهي تكشف المواطن كما تكشف الدولة، وتكشف المعارضة كما تكشف السلطة. ولذلك فإن النقاش حول قانون الرموز لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين أنصار الحرية وأنصار الدولة؛ فالدولة بلا حرية تستبد، والحرية بلا ضابط قد تنقلب إلى فوضى.
ومن هنا قرأت ردّاً جاء في المؤتمر الصحفي الأخير على سؤال أحد الإعلاميين بشأن إلغاء قانون الرموز. واللافت في ذلك الرد أنه لم يتعامل مع القانون كنص مقدس، بل أبدى عدم ارتياح حتى لتسميته، ورأى أن الحماية ينبغي أن تنصرف إلى الأمة والجمهورية ومؤسسات الوطن، لا إلى شخص أو حكومة. وهذه، في رأيي، هي النقطة التي تستحق أن يُبنى عليها النقاش.
النص
1 ـ الرمز ليس شخصاً
حماية الجمهورية ومؤسساتها شيء، وحماية شاغلي المناصب من النقد شيء آخر. فالمسؤول ليس الجمهورية، والحكومة ليست الدولة، والنائب ليس البرلمان.
لذلك فإن إعادة صياغة القانون، أو تغيير اسمه، قد يكونان أكثر جدوى من إلغائه إذا انتهينا إلى قانون يحمي الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية، ولا يحول دون نقد السلطة ومساءلة المسؤولين.
2 ـ مجتمع «أرض السيبة» يحتاج إلى قانون يضبط السيبة
مجتمعنا خرج تاريخياً من فضاء عُرف بـ«أرض السيبة»، ولا أقصد بذلك استحضار التاريخ لإدانة الحاضر، وإنما الإشارة إلى أثر ثقافي ما زالت بعض مظاهره حاضرة: في اللفظ الجارح، والتشهير، وتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، والاعتقاد بأن الحرية تعني أن تقول كل شيء بأي أسلوب.
فالسيبة ليست فقط غياب سلطة الدولة؛ قد تكون أيضاً سيبة في اللسان والسلوك.
وهنا يصبح القانون ضرورياً، لا لقمع الحرية، وإنما لوضع حد للفوضى التي تتستر باسمها.
3 ـ الحرية لا تمنح حصانة للإهانة والكراهية
لا ينبغي أن تتسع الحصانة البرلمانية بحيث تصبح ستاراً للإهانة الشخصية، أو الدعوة إلى العنصرية والكراهية، أو التحريض على العنف، اللفظي منه أو غيره.
فالحصانة وُجدت لحماية النائب وهو يؤدي وظيفته الرقابية والتشريعية، لا لتحويل المنبر البرلماني إلى منطقة فوق القانون.
ويستطيع النائب أن يكون شديداً في نقد الحكومة، قاسياً في مساءلة الوزير، صريحاً في معارضة السلطة؛ لكن حدة النقد شيء، وإهانة الإنسان أو التحريض على كراهية فئة من المواطنين شيء آخر.
4 ـ ليست الفكرة جديدة تماماً
عرفت مصر في عهد أنور السادات «قانون حماية القيم من العيب» رقم 95 لسنة 1980، واشتهر باسم «قانون العيب». وهو مثال تاريخي على محاولة نقل بعض القيم العامة من دائرة العرف الاجتماعي إلى دائرة الحماية القانونية.
ولا أستدعي التجربة المصرية للدعوة إلى استنساخها؛ فالزمن والسياق مختلفان، وبعض أدوات ذلك القانون كانت مرتبطة بمنظومة سياسية وقضائية خاصة بمرحلتها. وإنما أستحضرها لأقول إن فكرة حماية القيم العامة بالقانون ليست غريبة عن التجارب العربية.
5 ـ قانون الرموز يحتاج إلى إعادة تعريف لا إلى تقديس
المشكلة ليست في أن تحمي الدولة رموزها، وإنما في تحديد ما الذي نحميه ومن الذي نحميه.
إذا كان القانون يحمي الجمهورية ومؤسساتها ووحدتها الوطنية من التحريض على العنف والكراهية والتفكيك، فله أساس يمكن الدفاع عنه.
أما إذا أصبح وسيلة لحماية المسؤول من النقد، فقد انتقل من حماية الدولة إلى حماية السلطة.
وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة:
نحمي الدولة من الفوضى، ولا نحمي السلطة من النقد؛ نحمي المواطن من الكراهية، ولا نحمي المسؤول من المساءلة.
6 ـ من «السيبة» إلى دولة القانون
الدولة الحديثة لا تعالج السيبة بسيبة مضادة، ولا تواجه اللفظ الجارح بقانون فضفاض. العلاج هو قانون دقيق يحدد الأفعال المجرّمة تحديداً لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل، ويضع ميزاناً واضحاً بين النقد المشروع والإهانة، وبين المعارضة والتحريض، وبين حرية التعبير وخطاب الكراهية والعنف.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الأعمق لذلك الرد: ليس المطلوب قانوناً يحرس السلطة من المجتمع، بل قانوناً يحرس المجتمع والدولة معاً من الفوضى.
خاتمة
لذلك لا أرى السؤال في صورته الصحيحة: هل نلغي قانون الرموز أم نبقيه؟
السؤال الأهم: أي قانون نريد؟
قانوناً يحمي الأشخاص؟ لا.
قانوناً يحمي الحكومات؟ لا.
بل قانوناً يحمي الجمهورية ومؤسساتها ووحدتها الوطنية، ويحفظ في الوقت نفسه للمواطن حقه في النقد، وللصحفي حقه في السؤال، وللنائب حقه في المعارضة، دون أن تتحول الحرية إلى إهانة أو عنصرية أو تحريض على الكراهية والعنف.
فالحرية هي التي تكشف الحقيقة، والقانون هو الذي يمنع الحقيقة من أن تتحول إلى فوضى.
وحين ينجح القانون في حماية الدولة من السيبة، وحماية الحرية من التعسف، نكون قد انتقلنا خطوة أخرى من «أرض السيبة» إلى دولة المؤسسات.