تحميل العرب مسؤولية العبودية في إفريقيا وربط الإسلام بالإرهاب في غرب القارة

أثارت تصريحات منسوبة إلى إبراهيم تراوري، تضمنت تحميل العرب مسؤولية العبودية في إفريقيا وربط الإسلام بالإرهاب في غرب القارة، موجةً من الجدل. وما لفت انتباهي أكثر من التصريحات نفسها هو حجم التعاطف معها في بعض التعليقات، ومنها تعليقات لموريتانيين هاجموا من تصدى للرد عليها، وانحازوا إلى خطاب يسيء إلى الإسلام والعرب، وهو موقف يصعب فهمه في بلد عربي مسلم ارتبط تاريخه بالحضارة الإسلامية وبعمقه العربي والإفريقي.
إن تحميل أمة بأكملها أوزار التاريخ، أو إلصاق تهمة الإرهاب بدين يدين به أكثر من مليارَي إنسان، ليس قراءة علمية للتاريخ، بل تعميم يزرع الأحقاد ويهدد السلم بين الشعوب. فالمسؤولية التاريخية لا تكون جماعية، والأديان لا تُحاكم بأفعال المنحرفين عنها.
كما أن وصول أي قائد إلى السلطة عبر انقلاب عسكري لا يمنحه شرعيةً أخلاقية أو فكرية للإساءة إلى الهويات الدينية والثقافية، ولا يعفيه من واجب احترام المبادئ التي أقرتها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، وحرية المعتقد، والمساواة بين الشعوب، ونبذ التمييز والكراهية.
وعرفت بوركينا فاسو، عبر تاريخها، بأنها أرض للتعايش، ولم تكن يومًا معادية للحضارة الإسلامية أو للعرب. بل إن البيئة الفولانية نفسها أنجبت قادةً وعلماء كان لهم أعظم الأثر في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، وفي مقدمتهم المجاهد الكبير الشيخ عمر الفوتي رحمه الله. ومن ثم فإن أي خطاب يزرع الخصومة بين الإسلام وإفريقيا أو بين العرب والشعوب الإفريقية يبدو غريبًا عن هذا الإرث الحضاري.
والمؤسف أن ينساق بعض المعلقين إلى تأييد مثل هذا الخطاب لا استنادًا إلى حقائق التاريخ، بل بدافع العصبية العرقية أو الخصومة الأيديولوجية. فالانتصار للظالم لأنه ينتمي إلى العرق نفسه ليس موقفًا مبدئيًا، وإنما هو صورة أخرى من صور التعصب الذي يرفضه العقل، وتنبذه الأديان، وتجرمه مبادئ حقوق الإنسان. فالعدل لا وطن له ولا لون، والحق لا يتغير بتغير هوية قائله.
أما فرنسا، التي تُستدعى كثيرًا في مثل هذه السجالات، فلم تعد هي فرنسا الحقبة الاستعمارية. فالعلاقات الدولية اليوم تقوم على المصالح والشراكات المتبادلة، ومن حق الدول الإفريقية أن تعيد رسم خياراتها السيادية، لكن دون أن يتحول ذلك إلى صناعة عداوات جديدة أو استهداف مكونات دينية وثقافية لا ذنب لها في صراعات السياسة.
وإذا كانت تلك التصريحات قد صدرت فعلًا على النحو المتداول، فإن الحكمة تقتضي مراجعتها والاعتذار عنها؛ اعتذارًا لشعب بوركينا فاسو أولًا، حتى لا يُحمَّل وزر خطاب يثير الانقسام، واعتذارًا للمسلمين والعرب، صونًا لروابط الأخوة والجوار، وحفاظًا على السلم والود بين شعوب جمعتها قرون من التعايش والتبادل الحضاري. فالقادة العظماء لا يقاسون بحدة الخطاب، وإنما بقدرتهم على رأب الصدع، وجمع الكلمة، وإطفاء أسباب الفتنة.