نعم لفتح المأموريات للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني... ولا، وألف لا، لتحويل الحوار الوطني إلى طريق لفرض مشاريع خارج الإرادة الشعبية

هناك لحظات في حياة الأمم يصبح فيها الصمت نوعاً من التهرب، ويصبح الوضوح مسؤولية لا خياراً. واليوم، فإن النقاش الدائر حول المأموريات والحوار الوطني يحتاج إلى تجاوز الحسابات الضيقة، والخروج من منطق التخوفات المتبادلة إلى منطق المبادئ الكبرى: من يملك القرار في الدولة؟ ومن يحدد مستقبلها؟ أهي إرادة الشعب أم إرادات أخرى تتحدث باسمه دون توفيضه او علمه ؟

إن القضية ليست شخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وحده، وإنما هي قضية أوسع تتعلق بحق الشعب الموريتاني في اختيار من يحكمه، وفي مراجعة دستوره متى رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، وفق الإجراءات الدستورية المشروعة.

ومن هذا المنطلق، فإنني أعلن موقفي دون مواربة وأتحمل مسؤوليته السياسية والفكرية كاملة فى اطار مايسمح به القانون من حرية الراي :

نعم لفتح المأموريات إذا اختار الشعب الموريتاني ذلك، ونعم لترشح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إذا أصبح ذلك ممكناً دستورياً، لأن السيادة للشعب، والدستور ليس نصاً جامداً، وإنما عقد سياسي حي قابل للتعديل وفق أحكامه.

لكن هذا الموقف المبدئي يقابله موقف آخر لا يقل وضوحاً:

لا، وألف لا، لتحويل الحوار الوطني إلى وسيلة لفرض أجندات سياسية أو أيديولوجية مرفوضة ، أو إلى طريق مختصر للوصول إلى مكاسب لا يمنحها الشعب عبر الآليات الدستورية.

أولاً: الدستور ملك للأمة وليس قيداً عليها

لا ينبغي أن يُنظر إلى تعديل الدستور باعتباره خروجاً على الشرعية الدستورية، لأن الدساتير الحديثة لم توضع لتجميد إرادة الشعوب، وإنما لتنظيمها. ولهذا فإنها تتضمن آليات واضحة لتعديل نصوصها عندما ترى الأمة أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.

فالدستور الذي يسمح بالتعديل وفق إجراءات محددة لا ينتقص من مكانته، بل يؤكد حيويته وقدرته على مواكبة تطور المجتمع والدولة. أما تحويل بعض الخيارات الدستورية إلى مكاسب وهمية أو قيود أبدية فوق إرادة الشعب، فهو نقل للسيادة من الأمة إلى نص جامد.

إن الشعب هو الذي يضع الدستور، وهو الذي يعدله وفق القواعد التي وضعها، ولا يمكن أن يكون الدستور وسيلة لمنع الأمة من ممارسة سيادتها.

ثانياً: الديمقراطية ليست بعدد المأموريات وإنما بسيادة الاختيار

إن الذين يتعاملون مع فتح المأموريات وكأنه خروج على الديمقراطية يتجاهلون حقيقة سياسية وتاريخية ثابتة، وهي أن الديمقراطية لا تقاس بعدد المأموريات فقط، وإنما تقاس بحرية الاختيار، ونزاهة الانتخابات، واحترام القانون، وقبول إرادة الناخبين.

فكم من دول حددت عدد المأموريات ولم تحقق الديمقراطية الحقيقية، وكم من دول لم تجعل هذا القيد معيارها الأول، لكنها بنت مؤسسات قوية واحترمت إرادة المواطنين.

والسؤال الجوهري ليس: كم عدد السنوات التي يحكمها الرئيس؟ وإنما: من يملك القرار النهائي؟ هل هو الشعب أم أن هناك من يريد مصادرة رأيه نيابة عنه؟

إن جعل تحديد عدد المأموريات معياراً وحيداً للديمقراطية قد يؤدي إلى مصادرة حق الشعب في الاحتفاظ بقيادة يثق بها ويرى أن استمرارها يخدم المصلحة الوطنية.

فالشعب هو الذي يمنح الشرعية، وهو الذي يسحبها، وليس من حق أحد أن يصادر حقه في الاختيار تحت أي ذريعة.

ثالثاً: فتح المأموريات موقف مبدئي وليس امتيازاً لشخص

إن الدفاع عن فتح المأموريات لا يعني منح امتياز لشخص معين، وإنما يعني الدفاع عن مبدأ دستوري وسياسي، هو أن الأمة صاحبة الحق في تحديد خياراتها الكبرى.

فإذا رأى الشعب الإبقاء على القيد الدستوري كان ذلك خياره، وإذا رأى تعديله وفق الإجراءات القانونية كان ذلك أيضاً خياره. ولا يجوز قبول إرادة الشعب عندما توافق رأياً معيناً، ورفضها عندما تخالف رأياً آخر.

فالسيادة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون حقاً للشعب في اتجاه دون اتجاه.

رابعاً: الحوار الوطني وظيفته الإصلاح وليس صناعة شرعيات بديلة

إن الحوار الوطني له وظيفة محترمة وأساسية، تتمثل في التشاور حول قضايا الإصلاح، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير المؤسسات، وترسيخ الاستقرار.

لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة فوق الشعب، ولا إلى بديل عن الآليات الدستورية، ولا إلى وسيلة لمنح شرعية سياسية لمن لم يحصل عليها عبر الإرادة الشعبية.

فالحوار وسيلة لخدمة الأمة، وليس بديلاً عنها.

خامساً: إدارة الحوار لا تمنح سلطة فوق المؤسسات الدستورية ولاتستطيع استصدارها من تحت الطاولة

إن إدارة الحوار الوطني أو الإشراف عليه لا يمنح صاحبه سلطة تتجاوز المؤسسات الدستورية، فالحوار لا يحل محل إرادة الشعب، ولا محل البرلمان، ولا محل مجلس الوزراء، ولا يجوز ان يستنزل منزلة الآليات التي حددها الدستور لاتخاذ القرارات الكبرى.

ومهما اتسعت المشاركة في الحوار، ومهما بلغت قيمة مخرجاته السياسية، فإنها لا تكتسب قوة الإلزام لمجرد صدورها عن توافق المشاركين فيه، وإنما تستمد مشروعيتها من مدى انسجامها مع الدستور والثوابت الوطنية والمصلحة العليا للدولة.

فإذا انتهى الحوار إلى مقترحات تمس ثوابت الأمة، أو تهدد الوحدة الوطنية، أو تنتقص من هوية الدولة العربية الإسلامية كما نص عليها الدستور، فإن مؤسسات الدولة تبقى ملزمة بحماية الدستور وصيانة هذه الثوابت، لأن التوافق السياسي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الشرعية الدستورية.

فالإجماع داخل قاعة الحوار، مهما كانت قيمته السياسية، لا يعلو على إرادة الشعب ولا على الدستور.

سادساً: القضية الحقيقية هي صاحب القرار

إن جوهر النقاش ليس: هل يبقى هذا الرئيس أو يأتي غيره؟ فالأشخاص يتغيرون، والدول تبقى.

أما السؤال الأعمق فهو: من صاحب القرار في القضايا المصيرية؟

إذا كان الشعب هو صاحب السيادة، فإن إرادته يجب أن تحترم عندما يختار، وعندما يعدل القواعد التي تنظم اختياره، ما دام ذلك يتم في إطار الدستور والإجراءات المشروعة.

أما محاولة الوصاية على الشعب، فهي في حقيقتها إنكار لمبدأ السيادة الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.

خاتمة: الشعب هو مصدر الزمن السياسي

إن الدول لا تُبنى فقط بالنصوص، ولا تستقر فقط بالقوانين، وإنما تستقر عندما يشعر المواطن بأن صوته هو الذي يصنع المستقبل.

فالدستور هو ذاكرة الشعب، لكنه ليس سجناً لإرادته والحوار هو أداة للتشاور، لكنه ليس بديلاً عن صاحب السيادة.

وفي النهاية، فإن التاريخ لا يسأل فقط: من حكم؟ بل يسأل أيضاً: من امتلك حق الاختيار؟

فالسلطة قد تنتقل من شخص إلى آخر، والمناصب قد تتغير، لكن الحقيقة التي تبقى عبر الزمن هي أن الشعوب الحية لا تُقاس فقط بقوة حكامها، وإنما بقدرتها على أن تكون هي صاحبة الكلمة الأخيرة في صناعة مصيرها.

فالشعوب لا ترث مستقبلها من حكامها، ولا تستعيره من نخبها، وإنما تصنعه بوعيها وإرادتها. ومن يفقد حقه في اختيار مستقبله، يفقد قبل ذلك حقه في صناعة تاريخه.