حركة إيرا وسؤال المواطنة: من نضال الفئة إلى أفق الوطن

إن تشخيص الاختلالات الموروثة في البنية الاجتماعية الموريتانية، ومناهضة مخلفات الرق ، هي قضايا جوهرية وواجب وطني لتعزيز مسار دولة القانون والديمقراطية.
و هنا إذ أثمن الحيوية لمختلف القوى الوطنية الحقوقية والسياسية والثقافية وجهودها للقضاء على الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لمواطنينا في مختلف مدن وقرى وارياف الوطن ، أتوجه بدعوة إلى الإخوة والاخوات قيادات ونشطاء حركة إيرا ، وبشعور ووازع الوطنية والحرص على المستقبل المشترك، لوقفة تأمل ومراجعة شجاعة لخطابهم الإعلامي والميداني ، للقطيعة التامة مع خطاب الكراهية والعنصرية واستهداف بعض المكونات الاجتماعية الوطنية، فالنضال الحقوقي يفقد شرعيته الأخلاقية والقانونية عندما ينزلق إلى مربع الشحن الفئوي وتصوير المجتمع وكأنه في حالة صراع وجودي بين فئاته، وهي لغة تجييشية لا تخدم المستضعفين بقدر ما تبني جدرانا من الخوف والعداء المتبادل وتفخخ السلم الأهلي الذي هو ملك لجميع الموريتانيين بلا استثناء.
ويقودنا هذا - بالضرورة - إلى ضرورة تجاوز أسر التراكمات التاريخية الموروثة، وإدراك أن المشكلات والظواهر الاجتماعية التي نتجت عن أنماط معيشية تقليدية قديمة قد تلاشت بنيويا في ظل الدولة الوطنية الحديثة، ولم يعد لها وجود ، بل أصبحت هناك منظومة قانونية موريتانية متكاملة تحفظ لكل مواطن حقوقه، ويتساوى في ظلها الجميع في الحقوق والواجبات، وتعززها الآليات القانونية الصارمة والمجرمة لكل أشكال استغلال البشر.
و عليه، فإن تحميل الجيل الحالي من الموريتانيين وزر تراكمات ماض بعيد لم يشاركوا في صنعه، والتعامل مع مكونات اجتماعية معينة كأطراف ، مسؤولة عن تلك المظالم، هو مجافاة لواقع الحاضر وضرب لقيمة المسؤولية الفردية ، فلا أحد اليوم مسؤول عن ترسبات الماضي، بينما الجميع شركاء في تحديات الحاضر.
ومن هنا تبرز المواطنة والديمقراطية كبديل آمن وبنّاء، وسبيل حقيقي وحيد لتجاوز خطابات الشحن الفئوي عبر الانخراط الكامل في مشروع بناء دولة القانون.
فالمنظومة الدستورية والهيئات المؤسسية والبرلمانية في موريتانيا توفر بيئة خصبة لترجمة كل المطالب الحقوقية المشروعة إلى برامج عمل وسياسات عمومية ملموسة، تترجمها على أرض الواقع البرامج الاجتماعية الواسعة والمتنوعة، وشبكات الأمان المتكاملة المخصصة لدعم الأسر الهشة، والمشاريع التنموية الهادفة لتطوير المناطق الأكثر تأثرا بالهشاشة، بما يضمن حماية الضعيف وتكافؤ الفرص في إطار سيادة القانون ومؤسسات الدولة.
إن نشر قيم التسامح والتعايش ومناهضة خطاب الكراهية في موريتانيا ، ضرورة وجودية لا بديل عنها لصون كياننا الوطني الذي يحب أن يكتب بحبر الإنصاف، وتكافؤ الفرص، وحماية القانون الحازمة لكل مواطن بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الفئوي.
وحينما تلتقي قوة القانون الموريتاني الرادع للتمييز والكراهية، مع إرادة الإصلاح الاجتماعي والتمكين التنموي والتعليمي، والتزام الفاعلين الحقوقيين ونشطاء حركة ، إيرا ، بنبذ خطابات التفرقة والتركيز على البناء المشترك، تتحول موريتانيا وتنوعها الثقافي والاجتماعي ، إلى مصدر فخر وحصن منيع يحمي أمن البلد، ويدفع بوجدان الأمة نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار الحضاري المشترك.

محمد ولد سيداتي