تعليق علي تعليق …. من صفحة المختار ولد جاي الوزير الاول

أعد لي أحدهم، مشكورا، تقريرا مفصلا عن النقاش المهم و المفيد و البناء الذي دار علي هذا الفضاء، و كذا علي فضاءات أخري، حول السؤال : أيهما أكثر نجاعة و فائدة و إنصافا: تحمل الدولة الدعم الكافي لتثبيت أسعار المحروقات، في مستواها قبل الحرب ؟ أو ضمان دعم جزئي و تخصيص دعم موجه للمواطنين الأقل دخلا؟
في البداية أنوه بمستوي النقاش و التعاطي الذي دار حول هذا الموضوع (حسب ما وصلني من أخبار) و الذي شاركت فيه نخبة من القيادات السياسية و المثقفين والخبراء و الفنيين و أهل الإختصاص و أصحاب الرأي بشكل عام. لقد ازددت قناعة بأهمية النقاش المفتوح و الهادف للسياسات العمومية. فجودة القرار العمومي و فعالية تنفيذه و إمكانية ترشيده تتعزز بإتاحة نقاشه الموضوعي من طرف كل المعنيين به.
كل أملي و أمنيتي أن يسود هذا الفضاء نقاش ثري، مفتوح، بناء و موضوعي حول كل القضايا التي تهم الشأن العام و أن يجد رواده محتوي و مادة تغنيهم عن الخوض في كثير من المحتوي المنتشر، للأسف، و الذي، في الغالب، يضر و لا ينفع و يهدم و لا يبني.
سأقتصر في هذه السانحة علي التعليق علي مجموعة من الأفكار المهمة و التساؤلات الوجيهة تمت إثارتها و طرحها (فيما يبدوا) بشكل متكرر من خلال ما دار من نقاش.
١- أولا: أليس السؤال الذي يجب طرحه لماذا لم نكن جاهزين لمواجهة وضعية كهذه؟ لو كان البلد اعتمد تخطيطا استراتيجيا و لو كان يتوفر علي طاقة تخزينية و أخري تكريرية، لتعززت قدرته علي مواجهة الصدمة و تحمل أثرها (علي الأقل في المدي القصير).لماذا لم نستطع حتي الآن تحقيق اكتفاء ذاتي في غدائنا، يقلل من تأثرنا بالأسواق الخارجية؟
أتفق تماما مع هذا الطرح، لكن استسمح في إبداء ملاحظتين:
- الاولي تتعلق بالتذكير بالقرار الذي اتخذه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، كدرس مستخلص من أزمة كورانا، بمضاعفة الطاقة التخزينية للبلاد من المحروقات السائلة، و هو ما عملت عليه حكوماته المتعاقبة و هو ما سيسمح قريبا (في ظرف أسابيع) لبلادنا من امتلاك طاقة تخزينية جديدة تناهز 213 ألف م3 (123 ألف م3 جديدة في انواكشوط و إعادة تأهيل 90ألف م 3 في انواذيبو) و هو ما يمثل ضعف الطاقة التخزينية التي تم تشييدها منذ الاستقلال. طبعا لا أمتلك الجواب علي السؤال لماذا انتظرنا حتي الآن؟
- أما الملاحظة الثانية بخصوص بناء صناعة تكريرية وطنية، فكل الدراسات أثبتت أن الحجم الحالي للسوق الوطنية من المحروقات السائلة لا يضمن مردودية اقتصادية كافية لجلب مثل هذه الصناعات.
- تحقيق السيادة الغذائية هو أحد محاور برنامج رئيس الجمهورية و ورشة أساسية من ورشات العمل الحكومي. تمكنا حتي الآن بفضل الله من تحقيق الإكتفاء الذاتي في مادة الأرز (مع الحاجة الي تحسين المردودية و خفض تكلفة الانتاج)، و تحقيق مستوي معتبرا من تغطية حاجاتنا من الخضروات الأساسية (40%) و نعكف حاليا علي الاستعداد لاقتحام ميدان زراعة القمح و الذرة و زيادة إنتاجية الزراعة المطرية. كما يجري الآن تنفيذ مشاريع هيكلية لشق القنوات الزراعية و استصلاح المساحات و جلب الكهرباء و الطرق.
٢- ثانيا: ألم يكن من الأنسب إعفاء المحروقات من الضرائب؟أليست الضرائب علي المحروقات مجحفة مقارنة مع البلدان الأخري؟ أليس السبب الأساسي لارتفاع الأسعار عندنا هو ارتفاع علاوة المورد؟
للتعليق علي هذه الأسئلة سأورد معلومات عامة و بعض الحقائق.
إن سعر المحروقات، بشكل عام، يمكن توزيعه الي خمس مكونات أساسية: I ) سعره في السوق العالمي ، ٢) تكاليف نقله و تأمينه وتخزينه، ٣) علاوة المورد، ٤) الضرائب و الرسوم (الضريبة علي القيمة المضافة+ Accises + الحقوق الجمركية+ رسم الكربون) و ٥) تكاليف التوزيع و المحطات.
انتقل سعر لتر المازوت في السوق العالمي قبل بداية الحرب من 514 الي 669 أوقية قديمة للتر شهر مارس الي 812 شهر أبريل ثم الي 779 شهر مايو.
انتقلت قيمة الضرائب و الرسوم علي كل لتر من 184 أقية ما قبل الحرب (36% من سعر المضخة)، الي 188 شهر أبريل (32% من سعر المضخة)، ثم الي 180من شهر مايو(29% من سعر المضخة).
أما حقوق الموردوالتي تغطي عدة مصاريف منها تكاليف المخزون الاستراتيجي ومخزون التشغيل وتكاليف التشغيل وهامش ربح المورد فتصل 79,86 دولارا لكل طن من المازوت أي ما يعادل 27 أوقية للتر. تجدر الإشارة أن هذه المكونة بقيت ثابتة و لم تتغير طيلة الأزمة بالرغم من المحاولات المتكررة للمورد. كما تجدر الاشارة هنا إلى أن هذا المبلغ هو نتيجة لمناقصة دولية مفتوحة تم تنظيمها سنة 2023 وقد كان هذا هو العرض الارخص وقد تم تقليصه ب14 دولار بمناسبة تمديد العقد مدة سنة جديدة.
يستخلص من ما سبق أن:
- نسبة الضرائب تم خفضها مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل الحرب، حيث انتقلت من 36% من سعر المضخة الي الي 29%
- أن سبة الضرائب عندنا لا تعتبر مرتفعة مقارنة مع ما عليه الحال في الدول ذات الوضعيات الاقتصادية و الإجتماعية المشابهة.
- حقوق المورد بقيت ثابتة في قيمتها و تمثل أقل من 5% من سعر المضخة.
٣- ثالثا: ألم يكن من الأنسب استثمار المبالغ المهمة التي رصدتها الحكومة للبرامج الإجتماعية ( التحويلات النقدية و توزيع السلات الغدائية) في مشاريع اقتصادية أكثر مردودية؟ من يضمن وصول هذه المبالغ لمستحقيها؟ ألن تكون فرصة لتربح البعض؟
أعتقد أن الحكومة تطبيقا لبرنامج صاحب الفخامة، تعتمد برامج مختلفة و متكاملة. فتخصيص موارد مالية للدعم الإجتماعي المباشر لا يعني عدم الاستمرار في تنفيذ البرامج الإقتصادية ذات البعد الاستراتيجي و هذا بالضبط هو أحد الأسباب التي جعلت الحكومة تتجنب،قدر المستطاع، (وقد نجحت في ذلك حتي الآن) أن يؤثر دعم أسعار المحروقات، الذي يتعين عليها القيام به، علي البرامج التنموية الجاري تنفيذها.
ثم إن خص المواطنين الأقل دخلا بتمييز إيجابي هو توجه أصيل في رؤية صاحب الفخامة و فلسفته التي تقوم علي أنه في انتظار قطف ثمار الإصلاحات و البرامج التنموية لابد من العناية بظروف هذه الفئة دعما و مواكبة.
أما في ما يخص توفر الضمانات علي وصول المبالغ المرصودة لمستحقيها، فأجزم بأنه لن يدخر جهد و ستتخذ كل الإجراءات الكفيلة بذلك.
٤- رابعا: أليست محاربة الفساد بشكل جدي كفيلة بتوفير موارد مالية كافية لدعم أسعار المحروقات؟ ألم يكن من الأنسب ترشيد النفقات و تجميد بعض المشاريع لتوفير موارد كافية لدعم أسعار المحروقات؟ ألسنا بلدا غنيا تكفي موارده الطبيعية لحل مشاكله التنموية؟
إجابة علي هذا التساؤلات استسمح في إبداء الملاحظات التالية:
إن محاربة الفساد و ترشيد نفقات تسيير الإدارة واجب و مطلوب في كل وقت وزمان ك، قبل الأزمة و خلالها و بعدها.
و يمكن أن أؤكد أن كل جهد الحكومة منصب علي محاربة الفساد و تجفيف منابعه باستخدام كل الطرق و الوسائل الممكنة. و كثير من ما نسمعه من تشويش و حتي إساءة، في أحايين كثيرة هو ردة فعل من المتضررين من هذه الحرب. لا يعني ذلك أبدا، و لا أحد يدعي ذلك، أننا قضينا علي هذه الآفة و لا أننا انتصرنا بشكل نهائي في هذه الحرب، لكننا نجزم بأننا نكسب معارك متعددة و وفرنا نتيجة لذلك موارد هائلة من خلال ما قيم به من جهد حتي الان.
و هنا حبذا لو تساءلنا .
أولا : كيف تمكنت الحكومة و في فترة أزمة عالمية من دعم أسعار المحروقات ب 35 مليار أوقية (فاتورة ثلاثة أشهر فقط) و تثبيت سعر الكهرباء و تمويل برنامجين لدعم المواطنين الأقل دخلا بأكثر من 18 مليار أوقية، دون أن يتوقف أي برنامج اقتصادي أو اجتماعي و دون تأخرها في دفع أي فاتورة مستحقة لأي شريك و دون أي ضريبة جديدة ومن دون استدانة و لا طلب معونة دولية؟ لا يتأتي ذلك إلا من حكالها حققناه من سيادة مالية من خلال تحصيل الموارد و ترشيد إنفاقها و محاربة الفساد و التبذير.
ثانيا: و بشكل أعم، كيف تمكنت الحكومة و لأول مرة منذ الإستقلال من تعبئة مئات المليارات من الموارد الذاتية و توجيهها لتمويل مشاريع استثمارية ضخمة؟
لقد بحثت و سعيت لتحديد لائحة بأكبر المشاريع الاستثمارية التي مولت علي الموارد الذاتية للدولة منذ الإستقلال و حتي سنة 2019. توصلت الي أن أكبر مشروع تم تمويله من ميزانية الدولة في هذه الفترة هو مشروع قصر المؤتمرات الدولي المرابطون بحوالي 16 مليار أوقية يليه مشروع قناة آفطوط الساحلي بحوالي 14 مليار ثم مشروع طريق المجرية تجكجة بما يناهز 10 مليار أوقية (أرجو أن لا أكون قد نسيت مشروعا آخر).
في عهد صاحب الفخامة، و كنتيجة مباشرة لمحاربة الفساد و تحصيل حقوق الخزينة العامة استطعنا تحقيق السيادة المالية و تمويل مشاريع عملاقة و علي الموارد الذاتية للدولة حصرا. علي سبيل المثال و حسب الترتيب تم تخصيص:
- 230 مليار أوقية لتنفيذ برنامج النفاذ للخدمات الأساسية للتنمية في الداخل.
- أزيد من 100 مليار لتمويل المرحلة الثانية من برنامج تنمية انواكشوط.
- أزيد من 70 مليار أوقية لتمويل مشروع الصرف الصحي (المكونة الأولي)،
- أزيد من 60 مليار لتمويل المرحلة الاولي من برنامج تنمية انواكشوط.
- أزيد من 40 مليارا لإعادة تأهيل طريق الأمل (ألاك-النعمة) و بوكي كيهيدي.
- أزيد من 30 مليارا لبناء المحطة الكهربائية 72 ميكاوات.
- أزيد من 13 مليارا لشق قناة سكام الزراعية.
- أزيد من 13 مليار أوقية لبناء طريق الصواطة- مونكل و الصواطة باركيول.
- أزيد من 5 مليار أوقية لتمويل منشأة تصفية عمارة مياه آفطوط الساحلي
كل هذا بالإضافة الي زيادات الأجور المتعددة و التوسع في البرامج الإجتماعية.
أين كانت كل هذه الموارد؟ و في ما كانت تصرف؟ هل استجد مورد مالي جديد؟ قطعا الجواب لا. بل إنه فقط نتاج التحسن في تحصيل الموارد و الفعالية في تخصيصها للمشاريع الأكثر مردودية و تحصينها من الأيادي الآثمة للفساد.
نرجو من الله العلي القدير أن نخرج سريعا من هذه الأزمة و أن نتمكن، تحت قيادة و بتوجيه صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، من تركيز جهودنا علي تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الجاري تنفيذها و إطلاق مشاريع أخري و تحسين ظروف المواطنين و زيادة أجور العمال و خصوصا في القطاعات الاستراتيجية: التعليم و الصحة و الدفاع و الأمن و معاشات المتقاعدين.
ومن ما سبق، آمل و أعتقد أن عناصر الإجابة علي السؤال (الذي يريد البعض أن يطرحه كثيرا ) أين توجه ضرائبنا قد اتضحت!!!
****
تنبيه: المعذرة عن ما قد يكون ورد من أخطاء إملائية و لغوية. طول النص حال دون تمكن من تصحيحه.