
المخطط السري لـتـ.ـدمـ.ـير الكتب القديمة من أجل تدريب الذكاء الاصطناعي
كشف تحقيق استقصائي مطول نشرته صحيفة "ذا واشنطن بوست" (The Washington Post) ونقلته الصحافة العالمية، عن مشروع سـ.ـري للغاية تقوده شركة Anthropic (المطورة لنظام الذكاء الاصطناعي الشهير Claude). يثير هذا المشروع عاصفة من القلق والرفض في الأوساط الثقافية ودور النشر، وسط اتهـ.ـامات متزايدة للشركات التكنولوجية بالقيام بـ "قـ.ـرصـ.ـنة ثقافية وإبـ.ــ.ـادة أدبية" غير مسبوقة.
القصة تكشف عن تحول درامي ومظلم في سباق التكنولوجيا؛ حيث تقوم شركات وسيطة بشراء عشرات الآلاف من الكتب الورقية القديمة والنادرة، ليس بغرض حفظها، بل من أجل رقمنتها لتدريب الخوارزميات، ومن ثم تـ.ـدميـ.ــ.ـرها ومحـ.ــ.ـوها فيزيائياً من الوجود.
1. معضلة "جدار البيانات" (Data Wall): جفاف الإنترنت
على مدار السنوات الماضية، تغذت نماذج الذكاء الاصطناعي على المحتوى المتاح مجاناً على الإنترنت (المواقع، المقالات، والمنتديات). لكن الصناعة اصطدمت مؤخراً بما يُعرف بـ "جدار البيانات"؛ حيث بدأت النصوص عالية الجودة المتاحة رقمياً في النفاد.
قنـ.ــ.ـص الكتب النادرة: لكي تصبح الأنظمة أكثر ذكاءً وقدرة على التحليل المعقد، أصبحت بحاجة ماسة إلى نصوص طويلة، رصينة، وغير متوفرة في الفضاء الرقمي. هذا الأمر دفع الشركات التكنولوجية للنبش في كتالوجات المكتبات القديمة، كتب الطبعات المحدودة، المذكرات التاريخية، والكتيبات الفنية المهجورة التي يعود عمرها لنصف قرن.
2. آلية عمل "Zoom Books": الشراء، المسح، ثم الفـ.ـرم
وفقاً للتحقيقات، فإن الواجهة التجارية لهذه العملية الضخمة هي شركة كندية تدعى Zoom Books. تقوم هذه الشركة بشراء كميات هائلة وممنهجة من الكتب القديمة بأسعار زهيدة من تجار الكتب المستعملة.
بروتوكول الـمـ.ـحو الميكانيكي: بمجرد شحن الكتب إلى مراكز لوجستية مخصصة، تبدأ عملية آلية صارمة ولا يمكن التراجع عنها: يتم مسح الصفحات ضوئياً، ثم يُقطع كعب الكتاب كلياً لتسريع عملية الرقمنة، ليدخل الكتاب بعدها مباشرة في آلات الفـ.ـرم والـتـ.ـقطيع ليتـ.ــ.ـحول إلى عجينة ورق معاد تدويرها.
الصلة السـ.ــ.ـرية المخـ.ـفية: رغم محاولات الشركة الوسيطة التسـ.ــ.ـتر خلف عقود السـ.ـرية، إلا أن تسريبات "واشنطن بوست" أكدت وجود صلة مباشرة بمشروع سـ.ـري لشركة Anthropic. بل إن تقريراً داخلياً مسرباً للشركة اعترف بالسـ.ـرية التامة للعملية قائلاً: "لا نريد أن يعرف أحد أننا نعمل على هذا الأمر".
3. الفراغ القانوني: هل يبيح القانون تـ.ـدميـ.ــ.ـر الإرث الإنساني؟
على الرغم من البشـ.ــ.ـاعة الثقافية التي تذكرنا بأحلك فترات التاريخ البشري (حـ.ـرق المخططات والكتب)، إلا أن هذه الممارسة تجد لنفسها غطاءً في الثغرات القانونية الحالية:
عقيدة "الاستخدام العادل التحولي": اعتبرت محاكم أمريكية أن تدريب الذكاء الاصطناعي على الكتب يُعد "استخداماً تحولياً" (Transformative Use) يحميه القانون؛ فالخوارزمية لا تعيد بيع الكتاب أو نسخ نصوصه للمنافسة التجارية، بل "تتعلّم" منه الهياكل النحوية والدلالية، تماماً كما يتعلم الطالب البشري من القراءة.
حق الملكية الخاصة: طالما أن الشركات تشتري هذه الكتب مادياً وبطرق قانونية، فإن القانون المدني يمنح المالك الجديد الحق الكامل في التصرف في الدعامة الفيزيائية (الورق) بالطريقة التي يراها مناسبة، بما في ذلك إتـ.ـلافها.
4. صدمة الكتبيين: خسـ.ــ.ـارة لا يمكن تعويضها للذاكرة التاريخية
أعربت جمعيات بائعي ومؤرخي الكتب القديمة عن ذهولها الشديد وصدمتها من هذه الممارسات التي تصفها بالعبث الثقافي.
مفارقة الحفظ الرقمي المونوبولي: الكثير من هذه الكتب والمذكرات القديمة —التي تتناول قضايا محلية، أو تأريخاً قديماً، أو معارف صناعية منسية— لا يوجد منها سوى نسخ معدودة حول العالم. عند شرائها وفـ.ـرمها، يختفي الأثر التاريخي والفني للكتاب الفيزيائي للأبد، ويصبح محتواه حكراً داخل الخوادم الخاصة لشركات تكنولوجية عملاقة تبتلع المعرفة البشرية وتخصخصها.
الخلاصة:
تكشف هذه القضية عن مفارقة مريرة في العصر الرقمي: ففي سبيل بناء أدوات تدعي "المعرفة المطلقة" وخدمة البشرية، تقوم كارتيلات التكنولوجيا بافتراس الوعاء المادي والتقليدي للذاكرة الإنسانية وتدميره. ما تراه المحاكم "استخداماً تكنولوجياً مشروعاً وتحولياً"، يراه المجتمع الثقافي عملية تسليع واحتكار خطيرة للإرث الثقافي العالمي.
سؤال للنقاش:
هل ترى أن حق الملكية الخاصة والتطور التكنولوجي للذكاء الاصطناعي يبرران أخلاقياً وقانونياً إتـ.ـلاف الكتب الفيزيائية النادرة، أم أن هذه الكتب تمثل "إرثاً مشاعاً للبشرية" يجب حمايته بقوانين دولية صارمة؟ .
