
أهم ما يميز الدولة المستقرة أنها لا تقبل القسمة علي إثنين ،
لا في السيادة و لا في القرار و لا في الهوية الوطنية .
فوجود مرجعيات موازية يتنافي مع مبدأ الدولة الواحدة الموحدة
و يفضي حتما إلي ضعف الهيبة و تآكل الثقة و تنازع الولاءات .
فإزدواجية الكيانات داخل أي دولة سواء كانت سياسية أو أمنية أو إجتماعية أو دينية ،
تؤدي إلي تفكك الدولة ذاتها .
و بالتالي تجعلها عرضة للإختراق الخارجي و التنازع الداخلي .
فالدولة لا تستقيم بكيانين و لا تقوي بمراكز قوي متنافسة فتضعف و تنهار .
و لنا في محيطنا العربي و الإفريقي أمثال و شواهد حاضرة ،
ففي سياق هذا الطرح أقال الرئيس السينغالي السيد بصيرو ديوماي فاي
كما كان متوقعا رئيس الحكومة السيد عثمان سنكو و كافة أعضاء الحكومة .
و ذلك عقب إتساع دائرة الخلافات و تنامي الندية و التباين في الرؤي السياسية بينهما .
و قد برزت هذه القطيعة المؤسسية إلي العلن بعد ساعات من تصريحات ادلي بها عثمان سنكو أمام البرلمان ،
أكد فيها ان خلافاته مع الرئيس لا يمكن حلها بمراسيم.
في حين يمكن تلخيص ملامح العلاقة بين الرئيس باسيرو و وزيره ٠الأول سنكو ، في النقاط التالية : -
1 - الصدام العلني : رغم كونهما حليفين و رفيقي درب ضمن حزب باستيف الحاكم ( الوطنيون من أجل العمل و الأخلاق و الأخوة ) ،
إلا أن عثمان سنكو كشف مرارا عن وجود أزمة في رأس السلطة ، منتقدا تعامل الرئيس مع المعارضة و ضعف الصلاحيات الممنوحة له .
2 - تبادل الضغوط السياسية : أتسمت المرحلة التي سبقت الإقالة بحالة من الشد و الجذب ، حيث كان عثمان سنكو يرفض الإستقالة مفضلا ان يتحمل الرئيس مسؤوليته الدستورية و يقيله بشكل مباشر .
و هو ما دفع الرئيس فاي في النهاية لإنهاء مهام الحكومة بالكامل .
3 - التفاوت في الشخصيات : وصفت شخصية الرئيس فاي بالهدوء و الميل إلي التوافق ،
في حين عُرِف عن السيد عثمان سنكو طباعه الحادة و مواقفه الصارمة و جرأته التي يصفها البعض بالصدامية ، ساهمت هذه السمات إلي جانب كاريزما عالية و شعبية جارفة من جيل الشباب في تشكيل صورتين متناقضتين عنه :
* شخصية المعارضة القوية : بحيث يراه مؤيدوه قائدا وطنيا لا يساوم و مدافعا شرسا عن العدالة الإجتماعية و مكافحة الفساد يتميز بالصدق و الوضوح التام في مواجهة خصومه السياسيين .
* شخصية السياسي الصدامي : بينما يري معارضوه و بعض المراقبين أن أسلوبه يتسم بالغرور و الحدة الشديدة و التعالي أحيانا ،
و هو ما خلق أزمات سياسية و توترات متصاعدة ،
أدت إلي تصادم إداري بين مؤسسة الرئاسة و الوزارة الأولي ، حيث يجمع معظم المراقبين و المحللين أن الدولة لا تدار بالشعارات أو العنتريات بل بالحكامة الرشيدة و المواقف الإستراتيجية السليمة .
في انتظار تجاوز تداعيات و مآلات هذه الإقالة و إمتصاص ردات الفعل ،تشير كل التقديرات إلي أن هذا القرار قد يعيد ترتيب المشهد السياسي و يضعف نفوذ عثمان سنكو لصالح استقلالية قرار الرئيس،
كما يخشي بعض المراقبين من أن تثير هذه الخطوة المخاوف من إمتداد التصدعات إلي داخل حزب باستيف الحاكم و الذي عاني مؤخرا من تباينات في التوجهات و الرؤي .
أو تؤدي إلي دخول البلاد في موجة جديدة من الفوضي العارمة الهدامة و عدم الإستقرار السياسي و المواجهات الميدانية بين المحتجين و رجال الأمن،
خاصة بعد نزول الآلاف من مناصري سنكو و زعيم حزب باستيف إلي الشارع في داكار و مناطق اخري في مسيرات غاضية للتنديد بالقرار ، حيث احتشدوا أمام منزله معتبرين هذه الإقالة إنقلابا علي المشروع السياسي الذي أوصل الثنائي إلي السلطة .
و هو ما يعد سابقة تاريخية لدعم وزير أول مقال و بهذا الحجم في إفريقيا و العالم ،
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع محاولات البلاد إدارة أعباء ديون ثقيلة ، مما يجعل إستقرار الحكومة الجديدة أمرا حيويا للشارع السينغالي.
سوف لن نستبق الأحداث و لن نسوء الظن ،
فلكل حدث حديث حتي يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود .
حفظ الله الجارة السينغال
اباي ولد اداعة .
