
في قاعة المحاضرات بالمتحف الوطني، كان الحضور الكثيف شاهدا على تعطش الناس لمعرفة سيرة أحد أعلام البلاد الذين تركوا أثرا علميا وروحيا باقيا في الذاكرة الجماعية. الندوة التي نظمتها جمعية رياح الجنوب في انطلاقتها الثقافية الأولى، جاءت احتفاءً بالعالم الجليل أشفغ مينحن ولد مودي مالك، أحد كبار علماء الصحراء وفقهائها.
غصت القاعة بالوافدين من مختلف الجهات، وقد جاءوا مدفوعين بالرغبة في استكشاف حياة هذا الشيخ الذي تردد اسمه في كتب التراجم وفتاوى النوازل وألسنة العلماء. فقدم الدكتور والباحث يحي بن البراء محاضرة علمية ثرية، جمع فيها ما تناثر من أخبار الشيخ بين الكتب والكنانيش والروايات الشفوية، ورتبها في صورة منهجية أضاءت جوانب من سيرته ومسيرته العلمية.
وأوضح المحاضر أن نسب الشيخ مودي مالك يعود إلى الشريف سيدي إلياس، بحسب ما أورده العالم النسابة ولد بن خالنا، مضيفا أن مودي مالك قدم إلى بلاد تشمش بعد أن سمع بتحالفهم وتعاونهم على البر والتقوى، فاستقر بينهم وتولى تعليم أبنائهم القرآن الكريم. وهناك تزوج الصالحة العابدة سخن ميجة، التي أنجبت أبناءه الأربعة وابنته خديجة.
ومن الروايات اللافتة في نشأة الشيخ أشفغ مينحن، أن والدته حملته وهو صغير إلى الولي أحمد بزيد، فدعا له قائلا: “منا نحن الأولياء”، وهي العبارة التي أصبحت لاحقا لقبا ملازما له.
وتوقف المحاضر عند المكانة العلمية الكبيرة التي حظي بها الشيخ مينحن بين معاصريه وتلامذته، مستشهدا بوصف الشيخ محمد اليدالي له بأنه: “أقضى القضاة، وسيد الهداة، وخاتمة الأعلام”. كما نقل ما أورده المؤرخ المختار بن حامد في موسوعته من أن السلطان مولاي إسماعيل سأل العلامة ابن رازكة عن أعلم أهل القبلة، فأجابه: “أما في القبلة فمينحن”، في إشارة إلى عموم بلاد موريتانيا الحالية.
ولم يكن حضور الشيخ مينحن مقتصرا على الفقه والقضاء، بل امتد إلى الأدب والشعر والمناظرات العلمية، حيث دارت بينه وبين ابن رازكة مساجلات أدبية معروفة، من أشهرها دفاعه عن صحاح الجوهري في مواجهة إشادة ابن رازكة بـقاموس الفيروزآبادي.
كما نقلت الندوة ما أورده البرتلي في كتاب فتح الشكور، إذ وصف الشيخ مينحن بأنه: “أستاذ فاضل جليل، فقيه، نحوي، لغوي، أديب، وشاعر مجيد”.
ومن أبرز ما خلد اسم الشيخ أشفغ مينحن، فتاواه المتعلقة بمجتمع البادية ونوازل الصحراء، وخاصة فتواه الشهيرة حول “مداراة الأضياف”، التي اعتبر فيها أن الحفاظ على نظام الزوايا ووحدة الجماعة يقتضي التعاون على الضيافة والتكافل الاجتماعي، محذرا من كل ما يؤدي إلى التفرق والتنازع.
وقد توفي الشيخ أشفغ مينحن ولد مودي مالك سنة 1150 هـ، بعد حياة قاربت المائة عام، خلف خلالها إرثا علميا وروحيا كبيرا، وأبناء علماء صالحين واصلوا حمل رسالته العلمية.
وختمت الندوة بمداخلة للعالم الشريف المعلوم المرابط، تناول فيها حضور فتاوى الشيخ مينحن في نوازل علماء الحوضين وتكانت، ملاحظا كثرة الاستشهاد بها خلال القرون الهجرية السابقة، مقابل تراجع حضورها مع قيام الدولة الحديثة وظهور القوانين والمؤسسات القضائية المعاصرة.
محمد أحمد حبيب الله..باحث سلك الدكتوراه
