موريتانيا بين سياق الاستقلال وضبط التوازن الوطني

لا يمكن مقاربة التجربة الموريتانية دون استحضار لحظة التأسيس بما هي نتاج تفاعل معقّد بين إرادة وطنية ناشئة وسياق دولي ضاغط. فالاستقلال لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في ظرف تاريخي أعادت فيه القوى الكبرى—وفي مقدمتها فرنسا—ترتيب حضورها خارج حدودها، تحت ضغط حروب التحرر وتحوّلات النظام الدولي. وفي هذا الإطار، كان قيام الدولة الموريتانية جزءًا من معادلة إقليمية ودولية سعت إلى تحقيق قدر من التوازن، مستندة إلى دعم سياسي ومالي وعسكري واضح.
غير أن هذا النمط من “الاستقلال المصحوب بالرعاية” أفرز مفارقة بنيوية: كيان سياسي قائم، يقابله ضعف في إنتاج النخبة محليًا وفي بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التعدد الفكري ضمن إطار وطني متماسك. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن تتشكل النخبة الأولى في فضاءات خارجية، وأن تعود محمّلة برؤى أيديولوجية جاهزة، تعكس سياقات تكوينها أكثر مما تعبّر عن خصوصية المجتمع الذي تنتمي إليه.
لقد تزامن ذلك مع صعود التيارات اليسارية والقومية في الستينيات، فوجدت هذه الأفكار طريقها إلى الداخل عبر النخب المتعلمة. ومع هشاشة الدولة في طورها الأول، تحوّل التعدد الفكري من مصدر غنى محتمل إلى مجال تنافس حاد على مفاصل السلطة. ومع دخول المؤسسة العسكرية على خط الفعل السياسي، تعزّز منطق الحسم والإقصاء بدل منطق التوازن والتكامل.
في هذا السياق، يمكن فهم ما يُشار إليه أحيانًا بـ“الاختراق الأيديولوجي” بوصفه نتيجة لتداخل ثلاثة عناصر:
سياق دولي يعيد إنتاج النفوذ بأدوات جديدة، ونخبة متكوّنة خارج المجال الوطني، ومؤسسات لم تكتمل بعد قدرتها على الضبط والتوازن. ولم يكن الأمر فعل فاعل واحد بقدر ما كان حصيلة بنية كاملة في طور التشكل.
غير أن التحدي الأكبر لم يكن في التعدد الفكري ذاته، بل في انتقاله—في بعض اللحظات—إلى مستوى إدارة الدولة، حيث تحوّلت الأجهزة الإدارية والأمنية والدبلوماسية إلى ساحات تأثير لمرجعيات متباينة، بدل أن تكون أدوات محايدة في خدمة الصالح العام.
وإذا كان هذا المسار قد تداخل مع ملف الهوية، فإن الإشكال لم يكن في وجود مكونات متعددة داخل المجتمع، بل في طريقة إدارة هذا الواقع. فموريتانيا، مع كون غالبية سكانها تنتمي إلى الفضاء العربي لغةً وثقافةً، تستند كذلك إلى عمق إفريقي وإسلامي يشكّل جزءًا من تاريخها وتركيبها الاجتماعي. والتحدي ليس في إثبات هذه الحقائق أو نفيها، بل في ضبطها ضمن معادلة وطنية لا تسمح بتحويلها إلى أدوات صراع أو إلى مدخل لاختراق خارجي.
ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين مفهومين غالبًا ما يُخلط بينهما:
إدارة التنوع بوصفها شأنًا سياديًا داخليًا، يهدف إلى تعزيز الانسجام الوطني،
وتسييس التنوع بوصفه توظيفًا للصراعات الهوياتية في خدمة أجندات داخلية أو امتدادات خارجية.
إن المقاربة الرصينة تقتضي التأكيد على أن الإطار الجامع للدولة—بمرجعياته الدستورية وهويته العربية الإسلامية—ليس موضوع تفاوض، بل هو قاعدة انتظام الحياة العامة. وفي الوقت ذاته، فإن صيانة هذا الإطار لا تتحقق بالإقصاء أو الإنكار، بل بقدرة الدولة على احتضان جميع مكوناتها ضمن نظام مؤسسي عادل ومتوازن.
وعليه، فإن الخروج من آثار تلك المرحلة لا يكون بإعادة إنتاج خطاب الغلبة، ولا بالانزلاق إلى حياد مفرغ من الضوابط، بل ببناء توازن وطني واعٍ يقوم على ثلاث ركائز:
أولًا، إعادة تأسيس النخبة وطنيًا عبر منظومة تعليمية قادرة على إنتاج كفاءات متجذرة في بيئتها، ومنفتحة على العالم دون ارتهان له.
ثانيًا، تحييد مؤسسات الدولة عن التجاذبات الأيديولوجية، وجعل الكفاءة والولاء الوطني معيارًا وحيدًا للوظيفة العامة.
ثالثًا، ضبط إدارة التنوع داخل إطار سيادي واضح، يرفض أي توظيف خارجي، ويحول الاختلاف إلى عنصر إثراء لا إلى أداة تنازع.
بهذه المقاربة، تنتقل موريتانيا من مرحلة تأثرت فيها ببنية التأسيس وظروفها، إلى مرحلة تُعيد فيها تعريف ذاتها على أساس من التوازن والاستقلال الفعلي. فلا يكون الماضي عبئًا يُستعاد، ولا يُمحى، بل يُفهم بوصفه شرطًا لازمًا لبناء مستقبل أكثر رسوخًا.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في حسم سجالات الأمس، بل في امتلاك القدرة على تجاوزها، عبر دولة تُدار بالمؤسسات لا بالشبكات، وبالمرجعية الجامعة لا بالاصطفافات الضيقة. وفي ذلك فقط، يتحقق المعنى الكامل للاستقلال: استقلال القرار، واستقلال النخبة، واستقلال المسار الوطني.