عندما يكون الاحتواء أقوى من التصعيد

لم تكن العلاقات الموريتانية المالية يومًا علاقة جوار عابر، بل ظلت على الدوام علاقة جغرافيا ودين ومصير ومجتمع وحدود مفتوحة على التاريخ والمصالح المتداخلة. ولهذا فإن التوتر الأخير على الحدود، وما رافقه من تجاذب إعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي وغضب رقمي، يجب اعتباره اختبارًا لقدرة البلدين، على تغليب منطق الدولة على انفعالات اللحظة.
ليس جديدًا أن تمر العلاقات بين الجيران بلحظات شد وجذب، فذلك جزء من واقع الحدود المفتوحة على التعقيد الأمني والسياسي والاجتماعي، لكن في مثل هذه اللحظات، يكون الخطر الأكبر هو أن تتحول الحدود من مجال للتنسيق إلى ساحة لسوء الفهم، وأن يصبح التجاذب الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي، مهما بدا عابرًا، ضغطا على الرأي العام، ويدفع أحيانًا إلى المطالبة بردود متسرعة قد تُرضي الانفعال لكنها تضر بالمصلحة الوطنية. ولهذا فإن الحكمة الموريتانية في التعامل مع مالي ليست ضعفًا، بل هي قوة في تسيير التوترات الحدودية و تعبير عن فهم عميق لطبيعة العلاقة بين البلدين، وليست أحداث يوم أمس إلا دليلا قاطعا على الجاهزية واليقظة والمهنية العالية لقواتنا المسلحة وقوات أمننا في الدفاع عن الحوزة الترابية وطمأنة المواطنين في المناطق الحدودية وفي كل شبر من أرض الوطن ،ومما لا شك فيه أيضا أن التعاطي الإعلامي الموثوق من خلال البيانات الرسمية للجيش بالمعلومات الصحيحة وفي الوقت المناسب عززت هي الأخرى روح التفاعل الإيجابي في مثل هذه الأوقات .
إن احتواء بلادنا لبعض الأفعال والحوادث المتكررة من الجارة مالي، يعتبر رؤية استراتيجية حكيمة فالمنطقة تعيش أصلًا على وقع هشاشة أمنية متصاعدة، وموريتانيا لم تكن يومًا بعيدة عن معاناة الأخوة الماليين، فلم تتردد يوما في مؤازرتهم في الأوقات الصعبة وقد تحمّلت خلال السنوات الماضية أعباء استقبال آلاف اللاجئين والنازحين، بما يعكس التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لكنه في الوقت نفسه وضع على الدولة أعباء إضافية في الأمن والخدمات والتنمية المحلية.
إن المطلوب اليوم ليس التحريض الإلكتروني على منصات التواصل الاجتماعي، بل خطابًا وطنيًا جامعا ومتمسكا بثوابت الأمة خلف القيادة الحكيمة وجيشنا الباسل في نهجه ورؤيته الأمنية، خطاب يؤكد أن موريتانيا لا تساوم على سيادتها، وفي الوقت نفسه لا تتعامل مع محيطها الاستراتيجي بمنطق الانفعال، خطاب يواجه الشائعة بالتوضيح، ويعالج التوتر بالحكمة، خطاب يتحرى ويتناغم مع المصادر الرسمية للمعلومات، فالدولة القوية، تلك التي تعرف متى تحزم، ومتى تحتوي، ومتى تمنع الأزمة من أن تكبر.

سيد احمد محمدي ابيبو