
كنت قبل اللقاء أسمع عن العلامة الشيخ ماحي سيسي كما تروى السير العطرة عن أرباب السلوك، وتتناقل الألسن أخبار أهل الله الذين تضيء مجالسهم بنور العلم وتزكو أرواحهم بصفاء الذكر. وكنت قد نهلت من معينه عبر محاضراته المنتشرة على اليوتيوب والتي كنت أتابعها هذا الصباح، حيث يترقرق المعنى في ثوب من البيان الرصين.
غير أن لقائي به منذ فترة كان فتحا آخر، إذ رأيت رجلا تكسوه سكينة العارفين، ويتحلى بتواضع هو سمة الراسخين في العلم؛ تواضع لا تصنع فيه، هو ثمرة معرفة بالله، تورث صاحبها خفض الجناح ولين الجانب. فوجدته ثاقب الفهم، حاضر البديهة، واسع الاطلاع، قد استودعته الأيام كنوزا من العلوم، فحفظها وأحسن توظيفها، حتى غدت على لسانه جواهر تنثر في مجالس الذكر والتوجيه.
وما شدني فيه أكثر، ذلك السمت الصوفي الهادئ، حيث الأدب قبل العلم، والخلق قبل القول، والسلوك قبل الدعوى؛ فهو من طينة القوم الذين إذا ذكروا ذكر الله، وإذا نظر إليهم ذكر بالآخرة. محب للخير، ساع في بثه، لا يضيق صدره بخلاف، ولا يحجب عطاؤه تقصير، يفيض إحسانا كما تفيض القلوب الموصولة.
وهو، إلى جانب ذلك، قائد بصير، يحسن تدبير الشأن العام بروح متزنة، تجمع بين الحكمة والرحمة، وبين الحزم والرفق؛ يستلهم في ذلك ميراثا روحيا عريقا، نهله عن جده الشيخ إبراهيم انياس رضى الله عنه، ذلك القطب الذي أورث أبناءه ومريديه سر الجمع بين العلم والعمل، وبين الظاهر والباطن.
فالشيخ ماحي سيسي عالم يدرس، ومرب يزكي، وسالك يدل، ووارث يحمل أمانة الطريق، يجدد معانيها في زمن كثرت فيه الأصوات وقلت فيه البصائر.
البراء ولد محمدن
