
جاءت جائحة كورونا لتطرق أبواب العالم بعنف، فتآكلت أمامها أسوار الحريات التي حسبها الإنسان مكتسبات أزلية، وفي تلك اللحظات الفارقة، أدرك الجميع درساً صاغته الأقدار بمداد الخوف؛ وهو أن العافية أسمى النعم، وأن تلك الكلمة الحسانية العميقة "أمونكة" تمثل الجوهر المفقود الذي غاب عن الأذهان حتى توارى خلف القضبان غير المرئية للفيروس. ونحن إذ نكابد اليوم ويلات حروبٍ تسحب من حريتنا وتقيد حركتنا، يعود الوعي الجماعي ليتجلى في تلك الحقيقة الصارمة بأن العافية "أمونكة" في أبهى صورها، وهو ما يضعنا أمام تساؤلات نقدية حول تلك الإجراءات التي فرضتها السلطات الموريتانية، حيث تحولت شوارع نواكشوط النابضة بالحياة إلى مسارح للصمت تحت وطأة حظر التجوال الذي ضرب طوقاً حول الخيمة الموريتانية، محولاً إياها من رمز للانفتاح إلى حيز للتحجيم، وكأن الهدف يتجاوز حماية الأجساد ليصل إلى ترويض الجموح الموريتاني الذي لا يطيق القيود.
لقد فُرضت الكمامة كدرع واقٍ، بيد أنها كانت لجاماً بلاغياً أخفى الابتسامات وصيّر التواصل البشري نظرات مريبة بين غرباء، ونجحت تلك القرارات في تحويل الآخر من ضيف مرحب به إلى مصدر محتمل للعدوى، مما أدى إلى تآكل منظومة القيم تحت وطأة الذعر، وهو ما انعكس أيضاً على خنق الأسواق التي تعد العصب الحيوي للبقاء في هذا البلد، إذ جاءت بروتوكولات التباعد لتمزق النسيج الاجتماعي وتجعل من الحصول على القوت رحلة شاقة في سبيل أمان صحي يُنظّر له في الغرف المكيفة بعيداً عن هجير الواقع. إن هذه التجربة أثبتت أن "أمونكة" تكمن في القدرة على التنفس دون استئذان والمشي دون تصاريح، مما يفتح الباب للنقد حول ما إذا كانت السلطات تحمي الصحة العامة أم تستثمر في الرهبة لإعادة رسم خارطة التبعية، فالحرية هي الأكسجين الحقيقي، وأي مساس بها تحت رداء الوقاية يظل جرحاً في جبين الكرامة، لتظل صرختنا هي استعادة المعنى الشامل للعافية: عافية البدن، وعافية الروح، وعافية القرار.
بقلم: محمد علوش القلقمي
