
في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من هذا الشهر المبارك،من سنة 1402ه الموافق 4يوليو 1982م غابت صورة شيخنا الجامع بين الشريعة والحقيقة، العارف بالله والدال عليه، الذي أضاء الآفاق بمجالسه السَّنية السُّنية ، قوياً في قول الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. إنه سيدي ووالدي الشيخ الهادي السيد، رضي الله عنه.
كان مثالاً يُحتذى به في الاستقامة، مصداقاً لقوله تعالى:
"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ"
وقد حدّث العلامة الورِع، الزاهد الشيخ عبد الله ولد احويبيّلل، أنه ذات مرة دار حديث حول الاعتماد على الساعة (الوقاته) في تحديد أوقات الصلاة، فتدخل الشيخ الهادي قائلاً مامعناه : إن الساعة غرضه منها مراقبة الأوقات؛ فكل دقيقة مضت ينظر هل صرفها في الله.
ويحكى أنه سافر مرة لزيارة شيخ الإسلام، الشيخ إبراهيم انياس، رضي الله عنه، وفي الطريق بلغه أن الشيخ قد غادر المكان الذي كان يقصده. فقال: "لقد نويت زيارته في هذا المكان، وسأصل إليه هناك، كما نويت."
وحين وصل، وجد الشيخ بانتظاره ولم يكن قد غادر، فلما أخبره بالقصة، قال له:
"الرجوع قبل الوصول لا فائدة فيه."
وقد أرسله الشيخ إبراهيم رضي الله عنه نائباً عنه إلى أدغال إفريقيا لنشر الإسلام، فاستقر في نيجيريا، ودخل على يديه مئات الآلاف في الإسلام. وكتب له:
"هناك نوبت محبي الفائق،
وهو حبيبي ومريدي الصادق.
حفيد مولود الكريم الهادي،
إلى طريق الحق عند النادي."
وقد قال ﷺ
"فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النَّعم."
فكان يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متأسيا بقول شيخ الإسلام، الشيخ إبراهيم انياس:
"والأمة قصدي فيهم أن أسوقهم
إلى حضرة البر الرحيم إلهنا.
وتعلم هل في الخلق أحنى عليهم
مدى الدهر مني، والبعيد كما دنا."
وقد سافر مع الشيخ عدة أسفار دعوية وقد ذكره سيدي محمد المشري في الرحلة المغربية بقوله:
وسِيدي الهَادِي سَلِيلُ سِيدِي :: مَوْلُودٍ فَالِنَا كَرِيمِ المَحْتِدِ
قَدْ رَافَقَ الشَّيْخَ كَثِيرًا فِي السَّفَرْ :: وَصِدَقُهُ فِي الجَانِبِ العَلِي ظَهَرْ
وقد أسس قرية تمبيعلي المحروسة على تقوى من الله ورضوان، وجعلها منارة للمحبة والتآخي في الله، مقتديًا بحديث النبي ﷺ:
"ليبعثن الله أقوامًا يوم القيامة، في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء، ولا شهداء."
فسأله أعرابي: "يا رسول الله! جلِّهم لنا لنعرفهم؟"
فقال ﷺ: "هم المتحابُّون في الله، من قبائل شتى، وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه."
وكتب له الشيخ بالمناسبة
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و آله
و بعد:فيصل كتابي إلى الحبيب الأكبر غلام التجاني الأشهر سيدي الهادي بن السيد بن سيدي مولود فال المحترم
السلام عليكم و رحمة الله تعلى و بركاته يليه إعلامكم بأني أسأل الله تعلى أن يعمر حاضرتكم في الحس و المعنى و يلطف بسائر سكانها و يرزقهم و يحفظهم و يأخذ بأيديهم و يوصلهم إلى مرادهم دنيا و أخرى
و إني كما علمتم اتخذتها محلي فمن حل فيها قد حل عندي و من سكن فيها فقد جاورني بكل معنى الكلمة وشيخنا التجاني رضي الله عنه يقول:جيراني لا أتركهم في الدنيا و لا في الاخرة وفق الله الجميع و جمع الجوامع
و السلام
ابراهيم الحاج عبد الله انياس الكولخي لعشر خلون من رجب ١٣٨٣ هجرية
هذا غيض من فيض، لأن مالا يدرك كله لا يترك جُلّه؛ فلو كتبتُ اسمه بماء الذهب، لظل القلم يتلعثم، ولخانني التعبير. لكن إن فُهمت المعاني، فلا عبرة بالألفاظ.
ولقد أجاد العلامة الشيخ ولد الشيخ الشقروي رحمه الله في قوله راثيا له :
غصت بكربتها القلوب الرجف
وعرى النفوس تأوه وتلهف
من فقد هاديها وعارفها الذي
عرفت به من دينها ما تعرف
شيخ له شهدت بصالح سعيه ال
محمود سبحة ذكره والمصحف
وصلاته وصلاته وزكاته
وصيامه وحديثه المستطرف
لكنه أبقى لنا من بعده
مستخلفا يبأى به المستخلف
سيشد أعضاد الطريق وأسرها
حتى يزيد على التليد المطرف
يا رب صل على النبي وآله
ما نال معرفة الاله معرف
ويقول الشيخ الخليل النحوي حيث يقول في رثائه:
(في رحاب الرحيم)
غمت الأرض فالربوع يباب
ونداها لولا الدموع سراب
كلنا عابرو سبــيل فـمـن يحيــ
ــى فباب الحياة للموت باب
غــرباء وكــل حــي غـــريــب
طالما عاش فالحياة اغتراب
وتمر الأيام مرا سريعا.
ثم تمضي كما تمر السحاب
وتحول الظلال فالعيش ظل
زائل والقصور سوح خراب
كل شيء إلى هلاك ويبقى
وجه رب تعنو له الأرباب
ليس للمؤمن المصاب سوى الصبـ
ـر لوقع القضاء إن عض ناب
فاصطبر واحتسب إذا فمن الإيــ
ــمان صبر على البلا واحتساب
أين من حلة الوقار حلاه
وعليه من الهدى جلباب
أين سر عن الرجال مصون
مستكن وماعليه حجاب
وعيون من المعارف كالشهــ
ـد وأحلى مستمرءات عذاب
أين صوت به المسامع تندى
رشدا والقلوب منه خضاب
أين منا مجالس عطرات
ساح فيها الأعجام والأعراب
وثمار جنية ومدام
ماعلى مفطر عليها عقاب
أين منا تواضع وحياء
تتناهى إليهما الآداب
كنف واطئ ومجد رفيع
هكذا عانق السماء التراب
أين بعد الوقار والحلم والعل
ـم خصال يكل عنها الخطاب
إن تكن مكرمات قوم قشورا
فهي أوج الخصال وهي اللباب
أين وجه به السكينة حلت
وحديث به استقر الصواب
كانت الأرض وهو فيها سماء
سار فيها فانجاب عنها الضباب
حيثما حل حل نور وهدي
فانجلت ظلمة وزال حجاب
راعنا أن يغيب ثم انتبهنا
ماعسى أن يكون هذا الغياب
سوف تبقى مناقب وخصال
ماعليها من المنون نقاب
فهي للسالكين خير طريق
وهي للعارفين نعم الكتاب
لاتنال المنون مجدا أثيلا
عقمت أن تنيله الأحقاب
لا تصيب المنون ذكرا حميدا
وثناء به تسير الركاب
فليهن الفقيد مقعد صدق
في رحاب الرحيم نعم الرحاب
لا يضيع التقى ولا البر عند الــ
له كلا ولا يضيع الثواب
رب هب للفقيد أجرا على أجــ
ـر وزده فإنك الوهاب
واجزه في الجنان افضل ما يجــ
ــزى منيب لربه أواب
منفق محسن مرب وهاد
بهدى الله بيته محراب
وأقر العيون فيمن إليهم
بعده اليوم تشرئب الرقاب
فهم بعده العزاء وفيهم
تتبارى الآداب والأنساب
طاب مسعاهم فزادوا ارتقاء
وقديما طابت لهم أحساب
وعلى صفوة الورى صلوات
ضاق عن عدها الحصى والعباب
فهي للعبد قربة ودعاء
وعزاء به يهون المصاب
كتبه الشيخ الهادي محمد سعيد السيد
