المواد المحصنة دستوريا بين ضرورة الإلتزام بالأحكام و خطورة الرغبة في التعديل و كسر القاعدة

بالتأكيد الدستور ليس شيئا مقدسا لا يمكن تعديله أو تغييره ،
إذا ما أقتضته المصلحة العامة للشعب و للوطن .
لكن بالمقابل يجب ألا يكون مجالا للتعديل حسب المزاج أو الرغبة الجامحة أو وفق مقاسات تحت الطلب .
أو لعبة في يد أصحاب المصالح الضيقة ،
فالدعوة لتغيير الدستور لأجل شخص أو مصالح خاصة ،
تعد إنتكاسة دستورية خطيرة .
بحيث أن الدستور ليس وثيقة شخصية بل هو العقد الإجتماعي الذي يجمع بين الحاكم و المحكوم
و يحدد واجبات و حقوق كل منهما .
و يضع الضوابط للدولة المدنية ( دولة القانون و المؤسسات ) ،
بقدر يؤمن للمواطنين حياة كريمة بكل متطلباتها المادية و المعنوية .
كما ينبغي أن يعكس قيم المجتمع و مثله،
مستلهما المرجعية الجامعة بما ينسجم تلقائيا مع إيقاع الحياة في جوانبها المركبة ،
محدثا أثره الطبيعي الذي يتجلي في الشد و الربط بين مؤسسات الدولة ،
و إحكامها علي وجه تتحقق فيه المصالح العليا للشعب ( الوحدة الوطنية و التماسك الإجتماعي، التنمية و النهضة و كرامة المواطن و العيش الكريم ) .
مع تبيان شكل النظام السياسي و توزيع السلطة ،
و علاقة المواطن بالدولة و المؤسسات فيما بينها ،
مع مراعاة المرجعية الدينية للبلد .
ففي سياق أعم نجد أن الأنظمة الإفريقية لها قاسم واحد مشترك يتمثل في ضعف و غياب الحكامة الرشيدة و تعثر الديمقراطية و عدم تحقيقها للتوقعات و النجاحات التي انتظرتها شعوب المنطقة .
إضافة إلي إفتقارها لأسباب عوامل الرعاية و التعزيز و هشاشة الإقتصاد و تفشي الفساد و انتشار البطالة و هجرة الشباب ...
حيث تتركز الثروات في يد فئات قليلة معينة دون غيرها سواء داخل النظام أو تلك التي تدور في فلكه .
بالإضافة إلي التحديات الأمنية و النزاعات الداخلية و الخارجية التي تضعف بنية الأنظمة و تستنزف الموارد الشحيحة في الأصل
مع عدم إحترام المواثيق الديمقراطية و الدساتير و لجوء كثير من الرؤساء الأفارقة المدنيين لتمديد فترات حكمهم أو تحايل بعضهم عبر تزوير نتائج الإنتخابات .
مما يغري العسكريين و يمنحهم مشروعية الإنقلابات .
إذ لاشك أن الإنقلاب آلية غير دستورية للإستيلاء علي السلطة .
إلا أنها تبقي أحيانا الوسيلة الوحيدة المتاحة للتغيير داخل إفريقيا .
في حين يجمع كل المحللين للشأن السياسي الإفريقي أن القناعة الراسخة و الوعي السياسي الحاصل الآن داخل إفريقيا و الرافض دستوريا لمأمورية رئاسية ثالثة علي مستوي بعض دول القارة و المحصن ديمقراطيا من عبث الخلود في السلطة هو مؤشر جيد لمستوي النضج نحو إشاعة ثقافة التناوب الديمقراطي السلمي و إحترام المضامين الدستورية.
لعل ذلك ما نجحت فيه حتي الآن كل من موريتانيا و الجارة الجنوبية السينغال بإجرائهما إنتخابات رئاسية ديمقراطية نموذجية أثبتت من خلالهما للعالم أن الشعوب قادرة علي التغيير السياسي و التداول السلمي علي السلطة بالأدوات السلمية و الديمقراطية الداخلية .
رغم الدعوات
اليائسة و الفاشلة حينها للتحايل علي الدستور و القفز علي مواده من أجل التمديد لفترة رئاسية ثالثة.
هذا وقد شهد العديد من دول إفريقيا إنقلابات عسكرية متلاحقة و تعديلات دستورية متباينة في السابق و في الآونة الأخيرة بعضها تجاوز الخمسة تعديلات
و بعضها شهد ما دون ذلك ،
إلا أن هذه الدساتير لا تزال محل نقد و إثارة و نقاش و تمحيص في بعض الدول من طرف السلطة و المعارضة علي السواء ،
و هو ما يحتم الحديث كل مرة عن تعديلات أو تغييرات دستورية و لو بشكل رتوشات تجميلية تمس الشكل دون الجوهر .
لعل ماميز الفترة الإنتقالية في بلادنا ما بين 2005 _ 2007 م برئاسة المرحوم اعل ولد محمد فال ،
رغم مآخذ و تحفظ البعض عليها ،
هو التعديل الدستوري ضمن الإصلاحات السياسية التي تم بموجبها تقليص فترة الرئاسة لخمس سنوات و تحديد العهدة بمأموريتين متتاليتين ،
و تحصينها دستوريا في خطوة غير مسبوقة لتكريس و تعزيز مبدأ التناوب السلمي علي السلطة في المناسبات الإنتخابية الرئاسية، و إجراء انتخابات رئاسية أنذاك دون مشاركة الرئيس الحاكم من داخل القصر الرمادي و لأول مرة في تاريخ البلاد .
مسار توج بإنتخاب أول رئيس مدني منتخب المرحوم سيدي ولد الشيخ عبدالله،
سرعان ماتم الإطاحة به عبر إنقلاب عسكري قاده الرئيس الأسبق السيد محمد ولد عبد العزيز .
و الذي تميز عن بقية زمرة العسكر بتبنيه صناعة الإنقلابات العسكرية حيث كان صاحب فكرة التخطيط للتخلص من نظام ولد الطايع بحكم موقعه و نفوذه داخل كتيبة الأمن الرئاسي.
شهدت البلاد في عهده إستفتاءا شعبيا لتعديل بعض مواد الدستور تم بموجبه إلغاء مجلس الشيوخ و تغيير العلم و النشيد الوطنين،
قاطعته أحزاب المعارضة التقليدية حينها و بعض المنظمات الحقوقية و المجتمع المدني و الهيئات النقابية .
وصفت الخطوة أنذاك بالغير دستورية مما تسبب في إحتقان سياسي كبير و إندلاع مظاهرات إحتجاجية شعبية غاضبة كان لها بالمرصاد .
لم يثنيه ذلك عن تنظيم انتخابات رئاسية فاز بها .
و تولي من خلالها رئاسة البلاد لمأموريتين متواليتين مدتهما (10 سنوات ) سبقتها فترة إنتقالية .
من جهة أخري تعود نشأة الأحزاب السياسية بشكل رسمي إلي عهدة الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع و بالتحديد في تسعينات القرن الماضي حيث أعلنت البلاد من خلال دستور 1991 م عن نظام سياسي تعددي
أجريت بموجبه أول انتخابات رئاسية في نفس العام.
و أسس لمرحلة جديدة من الديمقراطية كرست للنفاق السياسي ، تراجعت و انهارت معها القيم و المبادئ و الثوابت الدينية و الوطنية ،
تشكلت علي شاكلتها أحزاب سياسية موالية و معارضة للنظام مرخصة و معترف بها رسميا طبقا للقوانين المنشئة للأحزاب و للأعراف الديمقراطية.
أحزاب معارضة قارعت الأنظمة الحاكمة السابقة بإستماتة و في أحلك الظروف و لفترات طويلة و طويلة جدا ،
لكنها بمرور الوقت شابت و فقدت زخمها الشعبي و قدرتها علي التغيير ،
و انتهي بها المطاف في أحضان النظام الحاكم الحالي كجزء من التكيف السياسي .
إلا أن أكثر المحللين يري بأن معظم الأحزاب الحاكمة جاءت علي مقاسات جلباب العسكر و بشكل متحور أسس و أرخ لكل مرحلة حكم أو رأس نظام.
PRDS. ADIL UPR. INSAF
دون أن تتغير الأوجه او اسماء الأشخاص و هكذا يستمر الحال
فالمتغير في المعادلة واحد .
يتغير في الشكل دون المضمون بخروج رأس النظام مطاحا به أو مغادرا لسدة الحكم كرها أو طواعية بحكم قوة الدستور .
أول من يتناساه و يتنكر له إن لم يقاضيه حاشيته و محيطه السياسي علي غرار ما حصل في الحقبة الطائعية و مع الرئيس المخلوع المرحوم سيدي و لد الشيخ عبدالله .
وكذلك الرئيس الأسبق السيد محمد ولد عبد العزيز .
الذي كان بالأمس القريب قاب قوسين من الدفع به نحو مأمورية ثالثة مخلة بالقانون و بمواد الدستور المحصنة.
لولا قدرة قادر جعلته يرفض طواعية الوقوع في المحظور .
المفارقة لدينا في المطالبة بتعديل الدستور هي أنها تأتي غالبا في وسط أو نهاية المأمورية الرئاسية الثانية ،
و لغرض مباشر هو تمديد فترة البقاء في السلطة أو إستثناء الرئيس الحاكم من قواعد عدم جواز إعادة الإنتخاب .
تقود هذه التعديلات عادة شخصيات وطنية و سياسية أو شيوخ قبائل من أصحاب المصالح و الولاءات الزائفة المرتبطون بالنظام لضمان إستمرار نفوذهم و مناصبهم ،
معتبرين التعديل وسيلة لحماية مصالحهم الشخصية .
حيث تستخدم التعديلات الدستورية كأداة لتفصيل القواعد الدستورية لخدمة أهواء معينة بدلا من المصلحة العامة .
الجديد هذه المرة أن من يتصدر المشهد الحالي المطالب بتعديل الدستور هم نفس الأشخاص الذين سبق و أن صوتوا من داخل البرلمان أنذاك لصالح تحصين المواد المرتبطة بالمأمورية الرئاسية الثالثة ،
و هو ما يؤكد جليا التناقض الحاصل لدي نخبنا الوطنية و السياسية.
و يثبت من جهة أخري أن المواقف تتغير دائما بتغير المصالح ليس إلا !!!
يستند المطالبون بتعديل المواد المحصنة خاصة المتعلقة بالمأمورية الثالثة ،
إلي ضرورة إتاحة الفرصة للإستقرار السياسي و تمديد فترات الإنجازات علي نحو يسمح بإستكمال المشاريع التنموية الكبري التي بدأها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
و إلي حق الشعب في إختيار من يمثله دون قيود دستورية جامدة ،
و التي تعد عائقا أمام تطور الديمقراطية و شكلا من أشكال سلب إرادة الأجيال الحالية لصالح نصوص سابقة ،
في المقابل يرفض المعارضون للتعديل ما من شأنه أن يكسر قيود تحصين المواد المتعلقة بالمأمورية الثالثة،
مستندين إلي أن بناء الأوطان عملية تراكمية تتطلب إستقرارا و تدرجا،
معتبرين التغييرات المفاجئة أو الجذرية قد تعيق جهود التنمية الشاملة و تهدم المكتسبات الوطنية السابقة بدلا من تعزيزها .
بإعتبار أن المواد المحصنة للمأمورية الثالثة هي الضمان الوحيد للتناوب الديمقراطي علي السلطة و منع الديكتاتورية و تكريس الحكم الأحادي .
و ان الإصلاح الحقيقي يكمن في البناء التدريجي و فوق ما تحقق في السابق علي أسس متينة بدلا من تقويض الهياكل الحالية و إعادة البناء من الصفر و هكذا دواليك .
بينما يشكل إحترام القوي السياسية و الشعوب للدساتير حجر الزاوية لبناء دولة القانون و المؤسسات.
حيث يضمن الإستقرار السياسي و يحمي الحقوق و الحريات الأساسية،
و ينظم العلاقة بين السلطات علي نحو يمنع تغول إحداها علي الأخري .
و يمثل الدستور تجسيدا لإرادة الشعب ،
بحيث يؤدي إحترامه إلي تجنب الأزمات السياسية و الإنقلابات ،
كما يمنع التعسف في إستخدام السلطة ،
و يوفر بيئة مستقرة تحفز علي الإنتاج و الإبداع و تساهم في تحقيق التنمية المستدامة.
مما يرسخ مبادئ العدالة و المساواة و التعايش السلمي .
تأسيسا لما سبق تكمن خطورة التعديلات الدستورية المتكررة و خاصة التي تستهدف المواد المحصنة ،
في تقويض إستقرار النظام القانوتي و السياسي و تحويل الدستور من وثيقة عليا ثابتة إلي أداة لخدمة مصالح القوي الحاكمة ،
مما يضعف الثقة في المؤسسات و يؤدي إلي تآكل الثقة الشعبية و إثارة الصراعات السياسية و زيادة تعقيد المشهد السياسي،
بحيث تعد نظرية التعديل الضمني أو التعديلات المتلاحقة كارثية في نتائجها ،
كونها تدمر أركان النظام الدستوري و تفتح الباب لتأويلات عشوائية لا حدود لها .
إن المواد المحصنة ليست مجرد نصوص فنية ،
بل هي ضمان و مكسب لبقاء و إستمرار الدولة .
و الإلتزام بها يمثل ضرورة وطنية .
بينما يعتبر كسرها مغامرة غير محسوبة العواقب .
خاصة أننا في محيط إقليمي مضطرب نؤثر كما نتأثر !!!!
بالمختصر المفيد ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضي في انتظار مآلات إيجابية لحوار وطني جامع مرتقب هو ديمقراطية حقة و حكامة رشيدة تؤسس لمرحلة جديدة من التعايش السلمي و القطيعة التامة مع الفساد و ممارسات الماضي الخاطئة ،
و تحدث نقلة نوعية لمسيرة التنمية داخل البلاد إنطلاقا من مقاصد و مضامين البرنامج الإنتخابي لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ،
طموحي للوطن .

حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة .