
أمريكا قتلت سيف الإسلام؟ : قراءة في منطق الهروب من المسؤولية
خالد الترهوني
مع تصاعد الجدل حول مقتل سيف الإسلام معمر القذافي، برزت فرضية يرددها بعض أنصار خليفة حفتر مفادها أن الولايات المتحدة هي من قامت بتصفيته. للوهلة الأولى تبدو الفرضية مثيرة، لكنها عند إخضاعها لأبسط قواعد المنطق السياسي والتجربة التاريخية، تتهاوى سريعًا، وتكشف عن كونها محاولة للهروب من السؤال الحقيقي: من المستفيد؟ ومن يملك القدرة؟
أول ما يضعف هذه الفرضية أن السياسة الأمريكية لا تعمل في الظل عندما تقرر الفعل المباشر.
فالولايات المتحدة، حين تقدم على عملية نوعية، لا تتردد في إعلانها، بل توظفها سياسيًا وإعلاميًا. ما جرى في فنزويلا، جرى الإعلان عنه بوضوح، واستخدم كورقة ضغط ورسالة ردع.
وفي هذا السياق، تصح المقولة الشهيرة: الدول العظمى لا تخجل من أفعالها… بل تتباهى بها.
ثانيًا، لو افترضنا — جدلًا — أن واشنطن رأت في سيف الإسلام هدفًا مباشرًا، فإن السيناريو المنطقي ليس القتل، بل الاعتقال.
سيف الإسلام شخصية مطلوبة دوليًا، ويمكن توظيف ملفه قضائيًا وسياسيًا وإعلاميًا. والولايات المتحدة سبق أن نفذت هذا النموذج حرفيًا في ليبيا نفسها، عندما اعتقلت أبو ختالة في بنغازي وأبو أنس الليبي من قلب طرابلس، ونقلتهما إلى خارج البلاد، في عمليات أعلنت عنها لاحقًا دون مواربة.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه قاطع:
لماذا تقتل واشنطن شخصًا يمكن اعتقاله واستثماره سياسيًا وقانونيًا؟
في ميزان المصالح، الاعتقال مكسب، أما القتل فإغلاق لملف كان يمكن استخدامه طويلًا.
ثالثًا، لا يمكن تجاهل حقيقة أن سيف الإسلام لم يكن عدوًا مباشرًا أو عاجلًا للولايات المتحدة. لم يكن يقود تنظيمًا مسلحًا، ولم يعلن مشروعًا معاديًا، ولم يكن حاضرًا ميدانيًا. بل كان — في أسوأ الأحوال بالنسبة لواشنطن — ورقة مؤجلة، لا أولوية عاجلة.
من هنا، يرى مراقبون أن طرح فرضية “أمريكا قتلت سيف الإسلام” لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم تمييع المسؤولية. فهي تنقل النقاش من الداخل الليبي، ومن توازنات القوة المحلية، إلى شماعة خارجية جاهزة، تُستخدم كلما ضاق الخناق.
ويقال في الحكم السياسية: عندما تعجز عن تفسير الفعل، اختر أكبر متهم… سيصدقك البعض.
لكن السياسة لا تُقرأ بالعواطف، بل بالسوابق والأنماط. والنمط الأمريكي واضح: إعلان، توثيق، توظيف سياسي. أما الغموض والصمت والإنكار، فليست أدوات واشنطن حين تفعل، بل أدوات من لا يريد تحمّل كلفة الفعل.
إن محاولة إلصاق ملف سيف الإسلام بالولايات المتحدة، دون قرائن منطقية أو سوابق متشابهة، ليست تحليلًا بقدر ما هي مناورة خطابية. وهي، في جوهرها، تعبير عن رغبة في إغلاق الملف بلا أسئلة محرجة.
وكما تقول إحدى الحكم المعروفة: أخطر الكذبات هي تلك التي تُقال لتجنب الحقيقة، لا لصناعتها.
وفي ليبيا، ستبقى الحقيقة مؤجلة، لكن المنطق يظل حاضرًا: من يملك الأرض، ويخشى الرمز، ويستفيد من الغياب… هو الأجدر بأن يُسأل، لا أن يُعفى باتهام الخارج.
#المصدر #ليبيا
