
بداية أطلب من القراء قراءة المقال حتى النهاية واستسمحهم في الإطالة.
كنتُ قد تناولتُ قضية وفاة شيخنا حماه الله في كتابي "شيخنا حماه الله حياته ومقاومته للفرنسيين" ، غير أن إعادة النظر في الوثائق، وتراكم الأسئلة غير المجاب عنها، دفعتني اليوم إلى إعادة الكتابة عن الموضوع بصيغة أكثر ترتيبا وتحليلا، تحت هذا العنوان، قصدَ تفكيك الرواية الاستعمارية من جهة، وبيان منطلقات الذاكرة الحمّوية من جهة أخرى.
وفي هذا المقال مبحثين أساسيين المبحث الأول
السردية الفرنسية الرسمية لخبر وفاة الشيخ حماه الله
المبحث الثاني
تعليقات ونقاشات حول قضية وفاة الشيخ وموقف اتباعه
المبحث الأول
حين شرعت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في تدوين ملف شيخنا حماه الله، لم تكن تتعامل مع رجل دين عادي، بل مع شخصية دينية ذات تأثير روحي واسع، رأت فيها خطرا سياسيا وأمنيا. لذلك جاء الملف موزعا بين مراسلات أمنية وتقارير إدارية وإفادات طبية مقتضبة، تعكس في مجموعها ذهنية سلطة معنية بالضبط والسيطرة أكثر من عنايتها بالتوثيق التفصيلي المقنع.
تفيد الوثائق الإدارية الفرنسية بأن شيخنا حماه الله نُقل يوم 28 نوفمبر 1942 إلى معتقل "أفولبين" بإقليم "اكريز" بعد أن قضى فترة في مركز "فالي-لابون" ولا تشير صيغة الوثائق إلى أن هذا النقل كان بدافع صحي أو إنساني، بل يفهم منه أنه جاء في إطار تشديد الرقابة الأمنية.
لم تدم إقامة الشيخ في معتقل أفولبين طويلا، إذ صدر يوم 4 ديسمبر 1942 قرار إداري بتحويله إلى مستشفى "مونتي-لوسون" بدعوى تدهور حالته الصحية. غير أن الوثائق لا توضّح طبيعة هذا التدهور، ولا أسبابه، ولا الظروف التي استوجبت هذا النقل المفاجئ.
الوثيقة الطبية الوحيدة التي وصلتنا في هذا السياق هي إفادة الطبيب "جورج بونص" المؤرخة في 15 ديسمبر 1942، والتي جاء فيها أن الشيخ أُدخل المستشفى في حالة صحية خطيرة تستوجب رعاية طبية مطولة. ولا تتضمن هذه الإفادة تشخيصا محددا، ولا وصفا لتطور الحالة، ولا أي إشارة إلى الوفاة أو قربها.
بعد هذه الإفادة، ينقطع السجل الطبي تماما، لتظهر بدلا منه وثيقة أمنية مؤرخة في 20 يناير 1943، صادرة عن مفوض الشرطة ومدير معتقل أفولبين، وموجهة إلى الكاتب العام للشرطة في حكومة فيشي. وتذكر هذه الوثيقة أن المعتقل حماه الله قد توفي بتاريخ 16 يناير 1943، وأن مراسم دفنه أُقيمت يوم 19 يناير 1943 بمقبرة مونتي-لوسون العصرية، الصف الثامن عشر، القبر رقم 12، بحضور عدد محدود من أشخاص قيل إنهم من شمال إفريقيا.
ولا تذكر هذه الوثيقة سبب الوفاة، ولا تشير إلى وجود تقرير طبي نهائي، ولا تُحيل إلى معاينة قضائية للجثمان، كما لا تورد أي تفصيل يخص هوية المدفون من حيث الإثبات المادي.
وهكذا تُغلق السردية الفرنسية الرسمية ملف شيخنا حماه الله في بضعة أسطر إدارية، دون توسع أو توضيح.
وقفة تحليلية أولى عند حدود التوثيق في السردية الفرنسية
عند قراءة هذه السردية متصلة، يتبين أنها تقوم على فجوات واضحة أكثر مما تقوم على وقائع موثقة. فبين تاريخ إدخال الشيخ إلى المستشفى وتاريخ الوفاة المعلن، لا يوجد أي تقرير طبي يبيّن تطور الحالة أو مآلها النهائي. كما لا توجد حلقة وصل واضحة بين الإفادة الطبية الوحيدة وإعلان الوفاة.
ويُلاحظ كذلك أن الإعلان عن الوفاة جاء على لسان جهاز الشرطة، لا على لسان المؤسسة الصحية، وهو أمر يخالف الترتيب الإجرائي المعهود، حيث يُثبت الموت طبيا أولًا ثم يُبلغ إداريا ثانيا.
كما أن شهادة الوفاة المدنية المسجلة لاحقا في بلدية "مونتي-لوسون" تتضمن اضطرابا في الاسم وبعض البيانات الشخصية، بما يضعف من تطابقها القطعي مع شخصية شيخنا حماه الله المعروفة تاريخيا.
غير أن الملاحظة الأهم تتعلق بما لم تقدّمه السلطات الفرنسية إلى اليوم. فبالرجوع إلى مجمل الوثائق المتاحة، يتبيّن أنها عجزت عن تقديم أي دليل مادي مقنع يثبت الوفاة إثباتا يقينيا. فلم يُعرض جثمان موثّق، ولم يُقدم تقرير تشريح، ولم يُحرر محضر معاينة قضائية، كما لم تُسلم أي مقتنيات شخصية للشيخ، من لباس أو متاع أو متعلقات خاصة مثل سبحته يمكن أن تُثبت هوية المتوفى.
وكذلك مسألة التأخير في إعلان الوفاة وإشكالية الاختفاء من النقاط الجوهرية التي تُضعف السردية الفرنسية الرسمية لخبر وفاة الشيخ . فحسب ما ورد في الوثائق الإدارية، تُحدِّد السلطات الفرنسية تاريخ الوفاة في 16 يناير 1943، غير أن هذا الخبر لم يُعلَن رسميًا، ولم يُثبَت إداريًا على نحو قاطع، إلا في أواخر سنة 1946، أي بعد ما يقارب ثلاث سنوات من التاريخ المزعوم للوفاة.
وهذا التأخير الطويل لا يمكن اعتباره إجراء إداريا عاديا، ولا ينسجم مع الأعراف المعمول بها، لا سيما في حالة معتقل سياسي ذي حساسية بالغة، كانت تحركاته ووضعيته محل متابعة دقيقة من الأجهزة الأمنية. إذ إن الأصل في مثل هذه الحالات أن يعلن خبر الوفاة فور وقوعها، وأن تُستكمل الإجراءات المدنية والطبية دون إبطاء، تفاديا للّبس وحسما للمسؤوليات.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدا حين نضع إلى جانبه ما تسرب عن بعض الجهات الفرنسية نفسها خلال تلك الفترة من حديث عن اختفاء الشيخ، لا عن وفاته المؤكدة. فقد ورد في مراسلات وتقارير داخلية ما يفيد بوجود التباس حول مصيره، وبأن ملفه لم يكن محسوما نهائيا وهو ما يتعارض مع الادعاء اللاحق بوقوع الوفاة وتحديد تاريخها بدقة.
إن الجمع بين عنصرين متلازمين - تحديد تاريخ وفاة مبكر، وتأخير إعلان متأخر، وتسرب حديث عن اختفاء - يطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الإدارة الاستعمارية تملك، في الواقع، يقينا كاملا بمصير الشيخ خلال تلك السنوات؟ أم أنها لجأت لاحقا إلى تثبيت رواية إدارية قصد إغلاق ملف ظل مفتوحا ومربكا؟.
وعليه، فإن هذا التأخير الزمني، مقرونا بغياب الأدلة المادية الحاسمة، لا يمكن فصله عن مجمل الاضطراب الذي يطبع السردية الفرنسية، بل يشكّل أحد أقوى مؤشرات ضعفها، ويُفسر في جانب كبير منه موقف التحفظ الذي تبناه أتباع الشيخ إزاء خبر الوفاة.
وفي الأعراف الطبية والإدارية، تُعد المقتنيات الشخصية والتقارير الختامية من أهم وسائل التحقق من الهوية، وغيابها هنا لا يمكن اعتباره تفصيلا ثانويا، بل يمثل ثغرة جوهرية في مسار الإثبات.
السياق السياسي والأمني للوثائق الفرنسية
لا يمكن فهم هذه الوثائق بمعزل عن سياقها التاريخي. فقد صدرت في فترة كانت فيها فرنسا تعيش اضطرابا شديدا واحتلالا أجنبيا، وانقساما إداريا، وحكومة فيشي المتعاونة مع الألمان، وتداخلا في الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والإدارية.
وفي مثل هذا السياق، لم تكن الوثيقة الإدارية دائما انعكاسا دقيقا للواقع، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلة لإغلاق الملفات الحساسة أو تجاوز الإشكالات القانونية والأخلاقية. وحين يتعلق الأمر بشخصية دينية اعتُقلت ونُفيت دون محاكمة، فإن احتمال طمس التفاصيل أو تبسيطها قسرا يظل قائما.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم العرض الذي قُدم لاحقا بنقل القبر المزعوم للشيخ إلى إفريقيا، إذ يبدو هذا العرض في جوهره محاولة لطي الملف أكثر مما هو تأكيد قاطع لمحتواه.
أمام هذا الاضطراب في الرواية الاستعمارية، اتخذ أتباع الشيخ موقفا متحفظا من خبر الوفاة. ولم يكن هذا التحفظ إنكارا للموت أو خروجا عن العقيدة، بل كان موقفا مبنيا على عدم الاطمئنان إلى رواية صادرة عن جهة ثبت ظلمها وتناقضها في أصل القضية.
فالحمويون لا ينكرون أن شيخهم بشر يموت كما يموت البشر، ولا ينازعون في سنن الموت، لكنهم يرون أن الخبر الذي لا يسنده دليل مادي واضح، ولا توثيق طبي مكتمل، يبقى خبرا ظنيا لا يرقى إلى اليقين.
ويتعزز هذا الموقف بما تواتر عندهم من أقوال الشيخ نفسه حول غيبة يُشاع فيها خبر وفاته، وهو أمر يُذكر على سبيل البيان التاريخي، لا الإلزام العقدي.
وخلاصة القول، فإن السردية الفرنسية لوفاة شيخنا حماه الله، رغم صدورها في وثائق رسمية، لا تستوفي شروط الإثبات التاريخي الصارم، ولا تُقدم أدلة مادية حاسمة، بل تترك وراءها أسئلة مفتوحة وثغرات واضحة.
وهي رواية، بحد ذاتها، كافية لتفسير موقف التحفّظ الذي تبناه الحمويون، دون أن يُنسب إليهم بسبب ذلك غلوّ أو خروج عن العقيدة.
المبحث الثاني: تعليقات ونقاشات حول قضية وفاة الشيخ وموقف أتباعه
إذا كانت السردية الفرنسية الرسمية قد أثارت، من جهة الباحثين، إشكالاتٍ تاريخية وتوثيقية متعددة، فإنها من جهة أتباع الشيخ حماه الله فتحت نقاشا أوسع، لا يتعلق بحقيقة الموت في ذاتها، وإنما بطبيعة الخبر، والجهة التي أصدرته، والظروف التي وُلد فيها.
وقد تنوّعت المواقف من هذه القضية، ويمكن إجمالها في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
اتجاه يسلّم بالرواية الفرنسية تسليمًا كاملًا،
واتجاه يرفضها رفضا مطلقا،
واتجاه ثالث متحفّظ متأن، وهو الذي يمثّل، في الجملة، موقف غالبية الحمويين ووجهائهم وخاصة ابن الشيخ وخليفته محمدو بن شيخنا حماه الله.
أولا : طبيعة موقف الحمويين وحدوده
من الضروري، قبل الخوض في تفاصيل الجدل، توضيح حقيقة موقف الحمويين رفعا للّبس. فالحمويون لا ينكرون سنة الموت، ولا يعتقدون خلود شيخهم، ولا يخرجون في ذلك عن عقيدة أهل السنة والجماعة. قال تعالى لنبيه وحبيبه : (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ) بل إن خطابهم الديني، في مجمله، قائم على التذكير بالفناء، والزهد في الدنيا، والاستعداد للآخرة.
غير أن تحفظهم على الرواية الفرنسية لا يصدر عن إنكار عقدي، وإنما عن احتياط معرفي مشروع، قوامه التمييز بين الخبر الصادر عن جهة موثوقة، والخبر الصادر عن جهة متهمة في أصل القضية.
فالسلطة الفرنسية التي أعلنت خبر الوفاة هي نفسها التي اعتقلت الشيخ مرتين دون مسوغ شرعي أو قانوني، ونفته عن بلاده وأهله، وشددت الخناق على أتباعه، وصنّفته في تقاريرها بأنه يمثل خطرا سياسيا ودينيا على مصالح فرنسا في المنطقة.
ومن المتعارف عليه عقلا وتاريخا أن الخصم لا يُؤتمن في حق خصمه، لا سيما إذا كان الخصم قوة استعمارية ثبت تلاعبها بالوقائع في أكثر من سياق.
ثانيا : أثر أقوال الشيخ في تشكل الموقف الحموي
يزداد هذا الموقف التحفّظي وضوحا إذا نُظر إليه في ضوء ما تواتر عند الحمويين من أقوال الشيخ نفسه، لا بوصفها نصوصا مُلزِمة، بل بوصفها معطيات تاريخية أثّرت في تشكل الوعي الجماعي لأتباعه.
فقد نُقل عن الشيخ، في مجالس خاصة مع بعض خاصته، أنه أخبرهم بغيبة تطول مدتها، يُشاع خلالها خبر وفاته، وتنقطع أخباره، ثم يكون بعد ذلك أمر يعلمه الله. وهذه الأقوال لم تُطرح عند أتباعه على أنها أصل من أصول الاعتقاد، ولا بُني عليها حكم شرعي عام، وإنما استُحضرت بوصفها قرينة معنوية تُفسّر التحفّظ ولا تُلزم به.
ومن المعلوم أن الأخبار إذا صدرت عن شخص عُرف بالصدق والاستقامة، فإن أتباعه قد يصدّقونها أو يستأنسون بها، دون أن يطالبوا غيرهم بالأخذ بها
.
ثالثا : الاعتراض العقلي الحديث ومناقشته
اعترض بعض الباحثين والمثقفين على موقف الحمويين، معتبرين أن العصر الحديث، بما فيه من تطور تقني ووسائل توثيق وتحليل علمي، لا يسمح بمثل هذا الغموض في المصير، ولا ينسجم مع فرضية الاختفاء أو الجهل بالوفاة.
غير أن هذا الاعتراض، على وجاهته الظاهرة، لا يلزم بالضرورة. فالتاريخ الحديث نفسه حافل بحالات اختفاء غامضة، واختلاف في مصير شخصيات معروفة، رغم قرب العهد وتقدم الوسائل. بل إن كثيرا من أحداث الحرب العالمية الثانية، وهي الإطار الزمني لهذه القضية، لا تزال إلى اليوم محل نقاش وتضارب بين الباحثين مثل اختفاء زعيم النازية.
ثم إن القول بإمكان الجهل بالمصير أو عدم القطع بالوفاة لا يعني الجزم بحدوث اختفاء، وإنما يعني الإبقاء على الاحتمال مفتوحا، وعدم إغلاقه بخبر لم يثبت إثباتا يقينيا.
رابعا البعد العقدي وحدوده
من المهم التنبيه على أن هذه القضية، مهما اتسع النقاش حولها، لا تمس أصلا من أصول العقيدة الإسلامية، ولا يترتب على الموقف منها خلل إيماني.
فالحمويون يعتقدون، كما يعتقد سائر المسلمين أن الأعمار بيد الله، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن البقاء لله وحده.
وفي الوقت نفسه، يعتقدون بثبوت كرامات الأولياء، كما هو مذهب أهل السنة، دون أن يرفعهم ذلك عن رتبة البشرية، أو يخرجهم عن سنن الكون إلا بقدر ما شاء الله.
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر وقائع خارقة جرت لأناس غير أنبياء، كقصة أصحاب الكهف، وقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، وهي وقائع تدل على أن قدرة الله لا تُقاس بالمألوف، ولا تُحصر في العادة الجارية.
وعليه، فإن النقاش في هذه القضية ينبغي أن يبقى في إطاره التاريخي والمعرفي، لا أن يُنقل إلى ساحة التبديع أو التفسيق.
خامسا : بين التصديق والتوقف
بناء على ما سبق، يمكن القول إن الموقف المنصف من هذه القضية لا يكون بفرض تأويل واحد، ولا بتسفيه أحد من الأطراف.
فمن أخذ بالرواية الفرنسية على ظاهرها، فلا يُلام.
ومن توقّف ولم يجزم، فلا يُعنف.
ومن صدّق بما تواتر عنده من أقوال الشيخ، استئناسا لا إلزاما، فلا يضلل.
وإنما الخلل الحقيقي يكمن في تحويل مسألة تاريخية ظنية إلى معيار للإيمان أو العقلانية، أو في تجاهل السياق التاريخي والسياسي الذي وُلدت فيه الرواية الاستعمارية.
ويتبين مما سبق أن الجدل حول وفاة شيخنا حماه الله ليس جدلًا حول الموت في ذاته، وإنما هو جدل حول الخبر، ومصدره، ودرجة توثيقه، والظروف التي أُنتج فيها.
كما يتضح أن موقف الحمويين، عند النظر المتأني، موقف يمكن فهم دوافعه التاريخية والدينية والنفسية، حتى وإن لم يُسلم به على إطلاقه.
وبذلك يظل هذا الملف مفتوحا للبحث التاريخي الرصين، القائم على الوثيقة والتحليل والسياق، بعيدا عن التشنج وقريبا من الإنصاف، حتى يأذن الله بانكشاف ما شاء من الحقائق،
(والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
حدو ولد الحسن
