تفكيكية اترامب العالمية: من: (أميركا أولا)، إلى (اترامب أولا)؟

مقال تحليلي استشرافي

مما لم يستوعبه الكثيرون عالميا أن اترامب يخطط لتفكيك العالم تفكيكا كاملا ليعيد بناءه حول ذاته.
يقوم هـذا المشروع الطموح على هدم كل شيء أو تفكيكه تمهيدا لإعادة بنائه حول "الذات اترامبية".
ورغم ضخامة هذا المشروع المستحيل عمليا لعدة أسباب سأذكرها لاحقا، أود أن أنبه الكتاب والمفكرين الاستراتيجيين عبر العالم إلى أن فهم المسارات التي يسعى الرجل إلى ولوجها وتحقيق غاياته منها في العالم وفي بلده؛ لايمكن تصنيفها و لا فهمها حسب مقتضيات المنطق السائد لديهم، ولا حسب المؤشرات الموضوعية، ولا على أساس ما تعودوا عليه من قواعد التحليل وجريان الأحداث، لأن المحرك الأساس لسلوك الرجل هو استقطاب البشر بالترهيب المجرد للدوران حول كعبة جديدة هي "كعب اترامب" الذي "يجب على العالم كله أن يدور حوله. وإلا فمصيره الهدم والفناء":
- فما هي دوافع وفحوى الترامبية الجديدة؟
- وهل يستطيع إنجازها بما يتوقع له من بقية عمر وحكم؟
- وهل يملك زخم تحقيقه بشريا وسعة ومدى قوة، وجاذبية؟

محددات الترامبية الجديدة

تقوم اترامبية الجديدة حسب ما يستقرأ من مسارات سلوكه وتصريحاته اليومية أنه يؤلف بين خمسة دوافع موجهة لسلوكه:
أولا: الافتتان بروعة الذات الترامبية. فهي عنده ذات كاملة متكاملة، منزهة عن التقص، معصومة من الخطأ.
ثانيا: لأنها كذلك فيحرم على أي كان أن يعترض إرادتها المطلقة في تحقيق ما يخطر على بالها عبر العالم.
ثالثا: الصواب في كل شيء هو فيما تختاره الذات الترامبية، ومن أراد غيره فقد كفر بقدره، وجنى على نفسه.
رابعا: العالم كله مباح لهذه الإرادة التي تبرر ذاتها بقوتها، وتبرر قوتها بذاتها. ولا حاجة لديها: لا إلى قانون، ولا عادة، ولا تشريع، ولا عرف.. فما تريده يبرر ذاته بذاته. إنها الذات/ القدر الحتوم، في رأيه.
خامسا: هذه الذات التي اصطفت نفسها هي سيدة العالم بإرادتها لا بإرادة العالم. لذا لا يهم ما درج عليه البشر، فلا حقوق في ملكية، ولا سيادة على أرض، ولا رأي، ولا مصير، ولا قانون.. إلا ما تشاؤه هذه الإرادة. فإذا سلّم العالم كله: حلفاء وأعداء بهذه العقيدة العالمية الجديدة فتلك واقعية منه ومنجاة له، وإذا رفض فأداة الإكراه حاضرة.

فحوى المشروع؟
يتضمن المشروع الطموح:
- هدم المشتركات البشرية التداولة كلها. وأهم تجسيد لذلك : إنهاء المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومشتقاتها. والمنظمات القارية ومشتقاتها. والمنظمات الإقليمية ومشتقاتها. والعلاقات الدبلماسية الثنائية بين الدول ومشتقاتها. والحدود ومشتقاتها، من سيادة وطنية وانتماء وكرامة. خاصة إذا وقفت في وجه هيمنة السيد المطاع بالضرورة.
- إذا كانت حركة "ماگا" تطرح شعار "آمريكا أولا"، فلدى اترامب شعار متولد أكثر خصوصية وصدقا وهو: "اترامب أولا".
وبناء عليه فإن علاقات آميركا بالعالم لم تعد قائمة على مصالح متبادلة بل على ما يقرر اترامب أنه كذلك.. فهو القانون وهو المصلحة، وه الرشد المطلق.

فهل يملك اترامب من القوة المعنوية والمادية ما يفكك به البنية الحالية للعالم ليعيد تركيبه على هواه؟

حدود الطاقة الاستيعابية للمشروع
لكي يتحقق مشروع ما في عالم اليوم لابد من مقومات موضوعية لا محيد عنها. والمشروع المؤلف من خطوتي التفكيك وإعادة البناء يتطلب:
أولا: فريق عمل قوي ومتكامل. وفيما يبدو أن فريق العمل الحالي المتاح لترامب لا يستجيب لشرط التنوع والخصوبة، والولاء الأيديولوجي أو العقدي، و حتى عدديا؛ لتفكيك العالم وإعادة تشكيله..
ثانيا: الوقت الكافي:
حتى ولو استطاع اترامب أن يحصل على مأمورية ثالثة فإنه -و إن استطاع أن يحطم أجزاء واسعة من العالم، إلا أنه لا يستطيع أن يفككه تفكيكا متبصرا، لأن الوقت غير كاف.

ثالثا: توزع مراكز قوى العالم

مظان القوة المعروفة والخفية والكامنة.. على اتساعها، تبدد أية قوة منفردة مهما كانت سطوتها، ولو عبر الاستيعاب والمشاغلة. وبالتالي فالقوة الحالية المتاحة لترامبرلا تكفي للسيطرة المرجوة على العالم إن أهملنا عامل القوى المنافسة المكافئة والمخالفة. فقوة امتصاص العنف كبيرة على حجم دولة واحدة حتى ولو كانت أولى من حيث القوة العسكرية.
وإذا تذكرنا أن من عوامل التردد في ضرب إيران أخيرا، أن قوة النيران لم تكن كافية في حالة رد مطول من إيران ضد آميركا وحليفتها إسرائيل.
إن توزع القوة عبر العالم، وحجم الخزين المتاح من الذخائر المهيأة يساعدنا على فهم محدودية القوة الفاعلةإن انفردت.
ودرس غزة وحروبها المواكبة (وهي حرب عالمية مصغرة من حيث الأسلحة) يؤكد هذه الحقيقة.

رابعا: غياب المظلة الشرعية

إن العوامل الاعتبارية: الأخلاقية، السياسية، الدعائية، التي تولد الشرعية، ضرورية لأي حرب.. فالقهر وحده لايكفي للسيادة على العالم اليوم؛ بل لابد له من سند معنوي. وسطوة الخوف لا تعمر كثيرا.

وعليه:
أرى أن مشررع الهيمنة الترامبية على العالم، أو غرب الكرة الأرضية، أو حتى على الولايات المتحدة الآميركية، لن يتحقق لنقص القوة المعنوية الشرعية، والعسكرية والمادية الكافية لذلك. والخرجات الإعلامية الكثفة لا تكفي لأنها كالفقاعات مهما مبرت تنطفئ تنطفئ بأية نفخة من الواقع الصلب.
كما أن الوقت لا يكفي في بلد يخضع لاستحقاقات ديمقراطية. هذا إن أمهل العمر. فالمشروع يتطلب وقتا غير متاح لترامب. فلو كان شابا ينتهج الدكتاتورية والحكم مدى العمر لتوفر لديه ما يكفي من الوقت لمشروعه الطموح. لكن هذا ليس هو واقع الحال.
إن التحطيم الساحق لا يعد تفكيكا بل تدميرا لا يبقي ولا يذر.

إلى جانب هذه العوامل فإن اترامب يستطيع أن يفكك حلف شمال الأطلسي بالاستيلاء على اگرين لاند، ويستطيع أن يشن حروبا خاطفة هنا وهنا للسيطرة على غرب الكرة الأرضية، لكن شحن بطاريته الاستراتيجية لا يكفي لتخقيق. الحلم الكبير أو الكابوس بالنسبة لضحاياه المحتملين، وسيواجه في الجولة الثانية إرادات صلبة، وتجربة موسعة في النزاع، وقوى قائمة وصاعدة لن تسمح له بتفكيك العالم على هواه. وقد تخلق هذه القوى بدائلها مما سيعزله عن العالم وقد يعزله داخليا، ويجعله ينكفئ على ذاته المصطفاة. وقد لا يأتيه الوهن من مقارعة العوامل الخارجية وحدها بل من بيته الداخلي.
إن أي مشروع موسع يعتمد على العنف المجرد قد ينجح في البداية لكنه يفشل دائما في النهاية.
وآفة الإرادة الامبريالية أنها لا تلخص العبر حتى من تجاربها القريبة.
وفي كل الأحوال على اترامب أن لا ينسى أثناء تنفيذ مشروعه الكبير: أنه رجل أعمال وصفقات، وأن رأس المال جبان.
د.محمدو ولد حظان...مفكر موريتانى