العمر والسلطة : متى تصبح الخبرة عبئًا ؟

لا يكاد الجدل حول أعمار القادة وصنّاع القرار يخبو حتى يتجدد مع كل استحقاق سياسي أو أزمة كبرى. فالعمر في مواقع السلطة لم يكن يومًا مجرد رقمٍ عابر، بل عاملًا مؤثرًا في أسلوب الحكم، وطريقة اتخاذ القرار، والقدرة على مواكبة عالم يتغير بوتيرة متسارعة. وهنا يبرز سؤال جوهري يتكرر بإلحاح: هل العمر عائق حقيقي أمام القيادة، أم مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة إلى الطعن أو التبرير؟
الوقائع السياسية المعاصرة تعيد طرح هذا السؤال بقوة. ففي أفريقيا، فاز الرئيس الأغندي Yoweri Museven امس بولاية سابعة وهو في عقده التاسع، كما جدد للرئيس الكاميروني Paul Biya بول بيا في أكتوبر الماضي ليبدأ مأمورية ثامنة وقد تجاوز التسعين.
وفي الولايات المتحدة، يقترب الرئيس Donald Trump دونالد ترامب من عامه الثمانين، في وقت لا يزال فيه فاعلًا في المشهد السياسي ومؤثرًا في اتجاهاته.
ولا يقتصر الأمر على السلطة التنفيذية وحدها ، ففي الجانب التشريعي الأمريكي، يشغل منصب الرئيس المؤقّت لمجلس الشيوخ The President Pro Tempore of the United States Senate السيناتور Chuck Grassley تشاك غراسلي، وهو في أوائل التسعينات من عمره. ويُعد هذا المنصب، وفق الدستور الأمريكي، ثاني أعلى منصب في مجلس الشيوخ بعد نائب الرئيس، كما يحتل المرتبة الثالثة في ترتيب الخلافة الرئاسية بعد نائب الرئيس ورئيس مجلس النواب. وجود شخصية بهذا العمر في موقع بالغ الحساسية يعكس بوضوح أن السن لم يعد معيارًا إقصائيًا في هرم السلطة.
أما السلطة القضائية، التي يُفترض فيها الثبات والاستقلال والرصانة، فتشهد هي الأخرى تقدمًا لافتًا في أعمار شاغلي مناصبها العليا. فقد مثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا الشهر في مدينة نيويورك أمام القاضٍ الفيدرالي الأمريكي Alvin Hellerstein الذي تجاوز التسعين من عمره، بينما يواصل أسن القضاة الفدراليين في الولايات المتحدة Israel Leo Glasser عمله القضائي في نيويورك رغم اقترابه من عامه الثالث بعد المئة. وهي حالات لم تعد استثنائية كما كانت في الماضي.
من جهة أخرى تحدد بعض الدول الحدّ الأدنى لسن الترشح فقط، كما هو الحال في فرنسا وأوغندا حيث يبدأ من 18 سنة، أو في الولايات المتحدة ومالي حيث يُشترط بلوغ 35 سنة، من دون وضع سقفٍ عمريٍّ أعلى، نجد أن التعديل الدستوري في موريتانيا يفرض قيودًا مزدوجة، إذ يحدد سن الترشح بين 40 و75 سنة. وهو ما يُقصي فئة الشباب من جهة، ويُضيّق بشكل واسع على الكهول من جهة أخرى، بما يحصر المجال السياسي في دائرة عمرية محدودة فيما يعتبره البعض "تضييق واسع".
الأمثلة الواردة اعلاه وغيرها تشير بوضوح إلى أن السن لم يعد العامل الحاسم في تولي أعلى المناصب السياسية أو القضائية. أنصار هذا الواقع يرون أن الخبرة المتراكمة، ومعرفة دهاليز الدولة، والقدرة على إدارة الأزمات، كلها مزايا لا تُكتسب سريعًا، بل تصنعها السنوات الطويلة. فالحكم، في نظرهم، ليس سباق سرعة، بل اختبار حكمة وصبر وحسن تقدير للعواقب.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يمكن تجاهله. فالتقدم في العمر قد يحدّ من الطاقة والمرونة، ويُضعف القدرة على مواكبة التحولات السريعة، أو الانفتاح على أفكار جديدة تفرضها تحديات العصر، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والإدارة الحديثة.
هنا نخلص الى أن الإشكال لا يكمن في العمر بحد ذاته، بل في تحويله إلى معيار وحيد للشرعية أو سبب جاهز للإقصاء. فالحكم الرشيد لا يُقاس بعدد السنوات، بل بسلامة القرار، ووضوح الرؤية، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات. وبين حكمة الشيوخ وحيوية الشباب، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء أنظمة توازن بين الخبرة والتجديد، لا أن ترتهن لأحدهما على حساب الآخر.

الدكتور أدي ولد محمدن