
تواجه موريتانيا تحديات متعددة في قضية الهجرة، يمكن تصنيفها إلى أربعة محاور رئيسية، وهي تتعلق بالمسؤولين الحكوميين، والمدونين، والمواطنين العاديين، إضافة إلى بعض العناصر الأمنية غير الوطنية.
هذه العوامل مجتمعة تسهم في تعقيد الظاهرة وتفاقم آثارها السلبية على استقرار الدولة وتماسك المجتمع.
أولًا: ضعف الحوكمة والمسؤولية لدى بعض القيادات الحكومية
تعاني البلاد من وجود بعض المسؤولين الحكوميين، خاصة في المناصب العليا مثل الوزراء، الذين يفتقرون إلى الحس الوطني وروح المسؤولية المطلوبة لرجل الدولة.
في كثير من الأحيان، يتصرف هؤلاء المسؤولون باعتبارهم رجال أعمال أو ممثلين لمجموعات قبلية أو سياسية، مما يجعل ممارساتهم منصبة على تحقيق المصالح الشخصية والفئوية الضيقة.
ويظهر ذلك من خلال توظيف الموارد العامة لخدمة أجندات محددة، وشراء ولاءات الأفراد والجماعات عبر تقديم امتيازات مادية أو سياسية، بدلًا من توجيه السياسات العامة نحو خدمة الوطن والمواطنين.
ثانيًا: الدور السلبي لبعض المدونين في تعزيز التفرقة الاجتماعية.
تساهم بعض الفئات من المدونين في إذكاء مشاعر الكراهية والانقسام داخل المجتمع الموريتاني، من خلال نشر خطابات تحريضية ذات طابع عنصري أو جهوي.
ويعود هذا السلوك في كثير من الأحيان إلى دوافع نفسية واجتماعية، حيث يجد بعض الأفراد في هذه الممارسات وسيلة للتعبير عن إحباطاتهم أو تصفية حساباتهم الشخصية.
ومثل هذه الخطابات لا تؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، وعرقلة جهود تحقيق التماسك الوطني، مما يجعلها إحدى الإشكاليات الخطيرة التي ينبغي مواجهتها بحزم.
ثالثًا: ضعف الوعي الوطني لدى بعض المواطنين.
من بين العوامل التي تعمّق مشكلة الهجرة غير الشرعية، عدم إدراك بعض المواطنين لمفهوم المواطنة الحقة وغياب الشعور بالمسؤولية تجاه الأمن القومي.
فبدلًا من العمل على تعزيز السيادة الوطنية، يلجأ بعض الأفراد إلى تسهيل دخول المهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد مقابل مكاسب مالية، دون إدراك التداعيات الاقتصادية والأمنية لمثل هذه الممارسات.
كما أن بعض العناصر الأمنية التي تفتقر إلى الحس الوطني قد تتورط في تسهيل عمليات الدخول غير القانوني، مما يضاعف من خطورة المشكلة.
رابعًا: تأثير التدفقات المالية المجهولة المصدر
تُطرح مسألة الأموال مجهولة المصدر كعامل إضافي يؤثر على هذه الظاهرة، حيث يُعتقد أن بعض التدفقات المالية غير المشروعة تُستخدم في تمويل أنشطة مشبوهة تتعلق بالهجرة غير الشرعية.
وقد يكون لهذه الأموال دور في تسهيل حركة المهاجرين غير القانونيين داخل البلاد، مما يستدعي تشديد الرقابة المالية وتعزيز آليات مكافحة غسيل الأموال.
خاتمة: نحو حلول مستدامة لمواجهة التحديات
لمعالجة هذه الإشكالات، يتطلب الأمر إصلاحًا جذريًا في الحوكمة وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في الإدارة العمومية، إلى جانب تطوير سياسات تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقوية الشعور بالانتماء الوطني.
كما ينبغي تكثيف الجهود التوعوية لمحاربة خطابات الكراهية وتعزيز روح المواطنة، بالإضافة إلى فرض رقابة صارمة على التدفقات المالية المشبوهة وفرض عقوبات على المتورطين في تسهيل الهجرة غير الشرعية.
إن مواجهة هذه التحديات يتطلب إرادة سياسية قوية، وجهودًا مجتمعية متكاملة للحفاظ على أمن واستقرار موريتانيا.
عبد الله الداي مسعود ..ناشط فى المجتمع المدنى