التعليم في زمن الكورونا: التحديات والفرص

أربعاء, 04/15/2020 - 12:31

يشهد العالم حالياً حدثاً جللاً قد يهدد التعليم بأزمة هائلة ربما كانت هي الأخطر في زماننا المعاصر. فحتى 28 مارس/آذار 2020، تسببت جائحة فيروس كورونا (COVID-19) في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلداً، أي ما يقرب من 80% من الطلاب الملتحقين بالمدارس على مستوى العالم.  وجاء ذلك في وقت نعاني فيه بالفعل من أزمة تعليمية عالمية، فهناك الكثير من الطلاب في المدارس، لكنهم لا يتلقون فيها المهارات الأساسية التي يحتاجونها في الحياة العملية. ويظهر مؤشر البنك الدولي عن ”فقر التعلُّم“ – أو نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون القراءة أو الفهم في سن العاشرة – أن نسبة هؤلاء الأطفال قد بلغت في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل قبيل تفشي الفيروس 53%. وإذا لم نبادر إلى التصرف، فقد تفضي هذه الجائحة إلى ازدياد تلك النتيجة سوءاً.

ولكن ما هي الآثار المباشرة التي تعود على الأطفال والشباب، والتي تثير لدينا القلق في هذه المرحلة من الأزمة؟ 1. خسائر التعلّم. 2. زيادة معدلات التسرب من الدراسة. 3. عدم حصول الأطفال على أهم وجبة غذائية في اليوم. والأكثر من ذلك، انعدام المساواة في النظم التعليمية، الذي يعاني منه معظم البلدان، ولا شك أن تلك الآثار السلبية ستصيب الأطفال الفقراء أكثر من غيرهم؛ وكأن المصائب لا تأتيهم فرادى.

التعلّم. سيؤدي التأخر في بدء العام الدراسي أو انقطاعه (بحسب مكان المعيشة في نصف الكرة الشمالي أو الجنوبي) إلى حدوث اضطراب كامل في حياة العديد من الأطفال، وأهاليهم، ومعلميهم. وهناك الكثير مما يمكن عمله للحد من هذه الآثار على الأقل، وذلك من خلال استراتيجيات التعلُّم عن بعد. وتعد البلدان الأكثر ثراء أفضل استعداداً للانتقال إلى استراتيجيات التعلُّم عبر الإنترنت، وإن اكتنف الأمر قدر كبير من الجهد والتحديات التي تواجه المعلمين وأولياء الأمور. ولكن الأوضاع في كل من البلدان متوسطة الدخل والأفقر ليست على شاكلة واحدة، وإذا لم نتصرف على النحو المناسب، فإن ذلك الانعدام في تكافؤ الفرص – الذي يبلغ حداً مروعاً وغير مقبول بالأساس – سيزداد تفاقماً. فالعديد من الأطفال لا يملكون مكتباً للدراسة، ولا كتباً، فضلاً عن صعوبة اتصالهم بالإنترنت أو عدم امتلاكهم للحواسيب المحمولة في المنزل، بل هناك منهم من لا يجد أي مساندة من آبائهم على النحو المأمول، في حين يحظى آخرون بكل ما سبق. لذا يتعين علينا تفادي اتساع هذه الفوارق في الفرص – أو تقليلها ما أمكننا إلى ذلك سبيلاً – وتجنب ازدياد الآثار السلبية على تعلُّم الأطفال الفقراء.

ولحسن الحظ، فإننا نشهد في هذا الصدد قدراً كبيراً من الإبداع بالعديد من البلدان. فالكثير من وزارات التعليم ينتابها قلق له بالفعل ما يبرره من الاعتماد على الاستراتيجيات المستندة إلى الإنترنت دون غيرها، وبالتالي لا يجني ثمرتها إلا أبناء الأسر الأفضل حالاً. وتتمثل الاستراتيجية المناسبة لأكثرية البلدان في استخدام جميع الوسائل الممكنة التي توفرها البنية التحتية الحالية في إيصال الخدمة. فيمكن استخدام أدوات الإنترنت في إتاحة مخططات الدروس، ومقاطع الفيديو، والدروس التعليمية، وغيرها من الموارد لبعض الطلاب، ولأكثر المعلمين على الأرجح. ولكن، ينبغي أيضاً الاستعانة بالمدونات والتسجيلات الصوتية والموارد الأخرى التي تستهلك قدراً أقل من البيانات. وينبغي العمل مع شركات الاتصالات على تطبيق سياسات تعفي المستخدمين من الرسوم، لتيسير تنزيل مواد التعلُّم على الهواتف الذكية، التي يحملها أكثر الطلاب في الغالب.

كما أن الإذاعة والتليفزيون من الأدوات التي لا ينبغي الاستهانة بجدواها كذلك. ويمكن الاستفادة من الميزات التي توفرها لنا شبكات التواصل الاجتماعي، مثل واتساب أو الرسائل النصية القصيرة، في تمكين وزارات التعليم من التواصل بفعالية مع الأهل والمعلمين، لتزويدهم بالإرشادات والتعليمات وهيكل عملية التعلُّم، مستعينة بالمحتوى المقدم عبر الإذاعة أو التليفزيون. فلا يقتصر التعلُّم عن بعد على استخدام الإنترنت فقط، ولكنه ينطوي على تعلُّم يعتمد على مجموعة متنوعة من الوسائط التي تكفل وصوله إلى أكبر عدد ممكن من طلاب اليوم.

الإبقاء على حماس المشاركة. من الأمور بالغة الأهمية، الإبقاء على حماس الأبناء للمشاركة، ولاسيما الشباب في المرحلة الثانوية. فلا تزال معدلات التسرب مرتفعة جداً في العديد من البلدان، ومن شأن انقطاعهم عن التعلُّم لمدة طويلة أن يزيدها. والطالب لا يذهب إلى المدرسة لتعلم الرياضيات والعلوم وحسب، ولكنه يذهب كذلك ليقيم علاقات اجتماعية ويتعامل مع أقرانه، ويتعلم كيف يكون مواطناً، ويطور من مهاراته الاجتماعية. ولذا من الضروري الحفاظ على التواصل مع المدرسة بأي وسيلة لازمة. وبالنسبة لجميع الطلاب يعتبر ذلك وقتاً لتنمية المهارات الاجتماعية الوجدانية، وتعلُّم المزيد حول كيفية الإسهام كمواطنين في تطوير مجتمعاتهم. وإن كان دور الوالدين والأسرة، بالغ الأهمية على الدوام، فإنه أشدّ أهمية في ذلك الصدد. ولذا، يجب توجيه قدر كبير من العون الذي تقدمه وزارات التعليم عبر وسائط الإعلام الجماهيري، إلى الأهل أيضاً. فينبغي الاستفادة من الرسائل الموجهة عبر الإذاعة والتلفزيون والرسائل النصية القصيرة، في تزويدهم بالنصائح والمشورة التي تعينهم على تقديم دعم أفضل لأبنائهم.

الوجبات. في كثير من بقاع العالم، تزود برامج التغذية المدرسية الأطفال بأهم وجبة غذائية يتناولونها كل يوم. وهو أمر ضروري لتنمية مداركهم ورفاهتهم. وهذه البرامج، وإن كانت تتطلب جهوداً لوجستية وإدارية معقدة، إلا إنه ينبغي تقديم هذه الوجبات بطريقة منظمة في المباني المدرسية، أو المباني أو الشبكات المجتمعية، أو توزيعها على الأسر مباشرة، إذا اقتضى الأمر، وهو أمر ليس بالهين، ولكن يجب على البلدان إيجاد طريقة ما لتنفيذه. وإذا تعذر توصيل الوجبات أو الغذاء لأسباب لوجستية، فينبغي أن يتم توسيع نطاق برامج التحويلات النقدية وتطبيقها من أجل تعويض أولياء الأمور من هذه الناحية. ويلزم التخطيط لذلك، على أن تكون الخطط مرنة تقبل التعديل، في ظل التغير الذي يطرأ في معلوماتنا حول مسارات الجائحة من يوم لآخر، في ضوء انعدام اليقين الذي يحيط بتدابير التخفيف من أثر الجائحة التي يتخذها كل بلد في ضوء ما يتراءى له من معطيات. ومن المرجح أن يعاد فتح المدارس بالتدريج، حيث ترغب السلطات في الحد من التجمعات، أو إمكانية حدوث موجة ثانية من الجائحة، مما قد يؤثر على بعض البلدان. وفي مثل هذه الأجواء من انعدام اليقين، ربما كان من الأفضل اتخاذ القرار بناءً على سيناريو يفترض أن الأحداث ستأخذ وقتاً أطول، وليس بالقصير. أما الجانب المشرق في الأمر، فيكمن في أن العديد من التحسينات، والمبادرات، والاستثمارات التي قد تتخذها النظم التعليمية سيكون لها أثر إيجابي طويل المدى.

ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، زيادة المهارات الرقمية لدى المعلمين في بعض البلدان. ويجب أن تدرك محطات الإذاعة والتليفزيون الدور المحوري المنوط بها في مساندة الأهداف التعليمية الوطنية – ومن ثم الدفع كما هو مأمول باتجاه تحسين جودة برامجها، مع استيعابها لما يناط بها من مسؤولية اجتماعية كبيرة. وستزداد مشاركة الأهل في العملية التعليمية لأبنائهم، وستكتسب وزارات التعليم فهماً أوضح للفجوات والتحديات (في إمكانية الاتصال، والمعدات، ودمج الأدوات الرقمية في المناهج الدراسية، وجاهزية المعلمين) الكائنة في استخدام التكنولوجيا بفعالية، وستتخذ إجراءاتها حيال ذلك. ومن شأن ذلك كله أن يعزز منظومة التعليم المستقبلية في البلدان.

وأمام جميع الأنظمة التعليمية مهمة واحدة، ألا وهي التغلب على أزمة التعلُّم التي نشهدها حالياً، والتصدي للجائحة التي نواجهها جميعاً. والتحدي الماثل اليوم يتلخص في الحد من الآثار السلبية لهذه الجائحة على التعلُّم والتعليم المدرسي ما أمكن، والاستفادة من هذه التجربة للعودة إلى مسار تحسين التعلُّم بوتيرة أسرع. ويجب على الأنظمة التعليمية مثلما تفكر في التصدي لهذه الأزمة، أن تفكر أيضاً في كيفية الخروج منها وهي أقوى من ذي قبل، وبشعور متجدد بالمسؤولية من جانب جميع الأطراف الفاعلة فيها، وبإدراك واضح لمدى إلحاح الحاجة إلى سد الفجوات في فرص التعليم، وضمان حصول جميع الأطفال على فرص تعليم جيد متساوية